بعد تلات سنين من طلاقي حكايات صافي هاني ١

جاني صوته الهادئ من جوا: “اتفضل.”

فتحت الباب ودخلت. كان قاعد ورا مكتب مهندم ونظيف، راجل في أواخر الأربعينيات، ملامحه هادئة ووقورة، شعره فيه خصلات بيضاء زايدته هيبة، وعيونه الذكية بصتلي بثبات من وراء نظارات طبية رفيعة. ما كانش باين عليه أي توتر ولا خوف.. بالعكس، كأنه كان مستنيني.

قفل الملف اللي كان قدامه، ورفع عيونه فيا وقال بصوت رصين: “أهلاً بك يا بشمهندس جاسر.. نورت إسكندرية. سمعت عنك كتير، بس الصراحة ما كنتش متوقع الزيارة دي بالسرعة دي.”

قعدت على الكرسي اللي قدام مكتبه من غير ما استأذن، وعيني في عيونه وقلت بحدة: “سيبك من الأسلوب الدبلوماسي ده يا دكتور.. وكلام الأصول اللي بين الكبار. أنا هنا عشان حاجتين مفيش تالت لهم: مراتي.. وولادي.”

طريق ابتسم بهدوء، ابتسامة باردة زادت من عصبيتي، وقال: “مراتك؟ غريب قوي يا جاسر بيه.. تفكر في الكلمة دي دلوقتي بس؟ تلات سنين كاملة وهي لوحدها، بتواجه الحمل والولادة والمرض وتربية توأم لوحدها في مدينة غريبة عليها.. ودلوقتي جاي بكل ثقة تقول مراتي؟”

قمت من على الكرسي بعصبية، وحطيت إيدي على مكتبه وقربت منه: “أنت فاكر نفسك مين عشان تكلمني بالطريقة دي؟! وما تردش على تليفونها بصوتك البارد وتقفل في وشي؟ وإيه اللي جابك في حياة مراتي أصلا؟!”

طارق ما اتحركش من مكانه، فضل قاعد بكل هدوء وثبات، وقال بنبرة قوية قطعت صوت أنفاسي العالية: “أنا الراجل اللي شالها وهي مرمية في مستشفى جامعة إسكندرية من غير حتى ما تلاقي زوج يطمن عليها وهو قاعد في مكتبه المكيف في القاهرة.. أنا الراجل اللي سمع عياطها وهي بتبكي في أوقات الوحمة والوجع، وكنت بشتري لها الدواء بأيدي لأن مفيش راجل جنبها. أنا الراجل اللي عيالك بينادوه ‘بابه’ لأنك فضلت غايب عنهم سنة ونص كاملين، ومشتاقين لحضن دافئ مش مجرد فلوس بتترمى في حساب بنكي!”

الكلمات نزلت عليا زي السياط. جسمي كله اتجمد، وحسيت إن الأرض بتميل بيا بجد. فتحت بوقي ومش عارف أقول إيه. دافعت بصوت مكسور ومبحوح: “أنا ماكنتش أعرف.. ما قالتليش!”

طارق وقف من مكانه، وبصلي بنظرة كلها شفقة وعتاب وقال: “وهي عمرها ما كانت تشتكي.. دي عيبها الوحيد إنها كانت بتحبك لدرجة الاستغناء عن نفسها. لما كانت بتيجي تتكلم معاك، كنت بتقولها ‘بعدين’.. ولما كانت محتاجة جوزها، بعتلها سواق. فلما جه الوقت اللي مبقاش فيه مكان لك في حياتها.. استغربت ليه لقيت غيرك بيرد على تليفونها؟”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *