أول يوم بعد الفرح ١

* “إنتِ فاكرة نفسك بتلعبى مين؟ راجعة بيت أهلك زعلانة عشان كلمة؟ اتربيتي برة على الفوضى.. اقعدي مكانك واعتذري لأمي حالاً عشان تعدي الليلة دي على خير، بدل ما أرميكي برة البيت وهو لسه طالع عليه النهار!”
بصيت له نظرة أخيرة، نظرة مليانة شفقة على غبائه وسذاجته اللي مخلياه مش فاهم هو وقع قدام مين وليه. ما ردتش عليه بحرف واحد. درت ظهري ومشيت بخطوات ثابتة ومنتظمة، وصوت كعب حذائي على رخام الفيلا الواسع كان عامل زي ضربات الطبول المنتظمة.
وقت ما فتحت باب الفيلا الكبير وطلعت للشارع، التليفون بتاعي رن في شنطتي. طلّعته وكان رقم سري مخصص لملف كنت مخبياه بعناية فائقة.
فتحت الخط، وصوت “شريف”، المحامي الخاص بيا وصديق العيلة القديم، جاني هادئ وواثق:
* “بشريتي يا فندم؟ هل بدأت المسرحية؟”
رديت بهدوء تام وأنا بفتح باب عربيتي اللي كنت راكناها قدام الفيلا:
* “بدأت يا شريف.. والضحية الأولى ضرب البداية بنفسه. ابعت المستندات للجهات المعنية، وبلغ اللواء طارق إن الطعم اتبلع بالكامل.”
* “أمرك يا فندم.. خلال ساعة واحدة هيكون كل شيء على مكتب النائب العام، ومجموعات الشركات الخاصة بيه ومن ضمنها أملاكه هنا وهنا هتبقى تحت الحراسة القانونية.”
قفلت الخط وركبت العربية، وسقت وأنا بتابع في المراية العكسية سور الفيلا الضخم اللي مفكروش لحظة واحدة إن الست اللي استقصدوا يهينوها الصبح، هي نفسها المالكة الحقيقية لأغلبية أسهم الشركات اللي والده بيتباهى بيها قدام الناس، واللي استغلت جوزي وسذاجته عشان توقع العيلة كلها في فخ قانوني محكم من غير ما يحسوا بأي خطر غير متوقع.
وصلت شقتي الخاصة اللي كنت شارياها بفلوسي بعيد عنهم وعن عيلتي، وقعدت قدام اللاب توب بتاعي أشرب قهوتي بهدوء، وأنا بتابع على الشاشة الإشعارات الحية للبنوك والشركات.
وفي خلال ساعات قليلة، بدأ الهبوط الكبير.
تليفون جوزي مابطلش رن، وبعدها تليفون أبوه، وبعدها حماتي وأخته. ركبت كاميرات مراقبة مصغرة كنت زرعتها بذكاء في صالة الفيلا ومكتب الحما، وفتحت البث المباشر عشان أشوف بعيني ردود الفعل لما صدمة الواقع تضربهم.
على الشاشة، كان حمايا قاعد ماسك دماغه بإيديه الاثنين، ووشه أصفر تماماً، والصحافة والشرطة الاقتصادية كانوا بيقتحموا الفيلا ومعاهم أوامر ضبط واحضار وتجميد أصول لكل ممتلكات العيلة بتهم التهرب الضريبي وغسيل أموال وتلاعب في مناقصات حكومية كبرى، وهي المستندات الثبوتية الدامغة اللي كنت جمعتها طوال السنين اللي فاتت وأنا بدرس خطواتهم بدقة وحذر.


