أول يوم بعد الفرح ٢

* “بشرى.. سامحينا.. كنا ظالمين.. الجبروت عمانا.. أنا بموت يا بنتي.. سامحيني.”
فضلت باصة له بثبات تام، من غير ما يتغير في ملامحي أي تعبير. حطيت إيدي في جيبي، وقلت بصوت هادئ وقوي ملا الفيلا الضيقة دي كلها:
* “يا حاج محمود.. أنا جيت هنا النهارده مش عشان أقولك ‘مسامحاك’، لأن الظلم اللي عملتوه في حق ناس كتيرة مش أنا بس، ملوش غفران بسهولة. بس جيت عشان أقولك حاجة واحدة.. ربنا سبحانه وتعالى عادل، والفلوس والجاه والعز اللي افتكرتوا إنهم هيحموكُم، طاروا في هواء، وبقيتوا في المكان اللي كنتوا بتستصغروه زمان.”
كملت وأنا ببص لزياد اللي واقف جنب السرير بيبكي بصمت:
* “الدنيا دي دار ممر، واللي يبني بيته على ظلم الضعفاء وكسرة نفوسهم، بينهار عليه في أول هزة. أنا صفيت حسابي معاكم بالقانون، والدنيا أخدت حقها تالت ومثلث.”
غمض الحاج محمود عيونه بقوة، وصدر عنه نفس طويل، وبعدها سكت تماماً. الأجهزة البسيطة اللي جنبه أعلنت توقف كل شيء. البيت كله املى بصوت صراخ أمه وأخته، بينما زياد وقع على ركبتيه قدام السرير وبكى بانهيار كامل.
بصيت لهم نظرة أخيرة،درت ظهري ومشيت بخطوات ثابتة وواثقة برة الشقة كلها.
ركبت عربيتي، وطلعت على الطريق المفتوح، وفتحت زجاج العربية عشان هوا الليل الهادي يخبط في وجهي، وأنا ببتسم وعارفة إن القصة انتهت.. وانتهت للأبد.




