أول يوم بعد الفرح ٢

أما “زياد”، فكانت الصدمة بالنسبة له أقوى بكتير من أهله. هو اللي اتعود يصحى على الخدم والحشم والعربيات الفارهة، لقى نفسه فجأة بلا شغل، بلا فلوس، وبلا حتى القدرة إنه يشتري علبة سجاير لنفسه. صحابه اللي كانوا حواليه طول الوقت طمعاً في فلوس أبوه أو نفوذه اختفوا في طي النسيان، ومبقاش حد يعبره في الشارع.

في ليلة من اللילות، كنت قاعدة في مطعم هادي وراقي، بخلص بعض الشغل على التابلت بتاعي، وفجأة حسيت بظل واقف قدامي. رفعت عيني، ولقيت شخص منظره يقطع القلب.

زياد..

شعره مبعثر، ووشه اصفر واكتسى بلحية عشوائية، وهدومه مبقاش فيها أي ريحة من الأناقة والغرور اللي كان بيهددني بيها. وقف قدامي ويديه بتترعش، وبصلي بنظرة مكسورة تجمع بين التوسل والغضب والندم.

قال بصوت مكسور وواطي:

* “بشرى.. أرجوكِ.. اسمعيني دقيقة واحدة.”

بصيت له بكل برود، ورجعت ضهري لورا على الكرسي، وقلت بصوت هادئ ومنتظم:

* “أنا سامعاك يا زياد.. قول اللي عندك، بس باختصار، لأن وقتي أثمن بكتير من إني أضيعه في الكلام الفارغ.”

بلع رiقَه بصعوبة بالغت، وقال ونبرة صوته فيها ترجي واضح:

* “أنا عارف إني غلطت.. وعارف إن اللي عملته يوم الفرح كان قمة الغباء والوضاعة.. أمي وأهلي دفعوني لكده، بس أنا اتحاسبت.. ودلوقتي إحنا في الشارع.. أبي بيموت بحسراته، وأنا مش قادر أعمل حاجة.. أرجوكِ، إنتي بيدك كل المستندات، تنازلي عن جزء من القضايا أو ساعدينا نطلع من الكابوس ده.. أنا مستعد أعمل أي حاجة.. أرجوكِ.”

فضلت باصة له بثبات تام، من غير ما يظهر على وشي أي ذرة شفقة ولا حتى غضب. كنت باصة له وكأني بتفرج على حشرة صغيرة بتتحرك قدامي.

خدت نفس عميق، وقولت بهدوء شديد جمد الدم في عروقه:

* “يا زياد.. يوم الفرح، لما مديت إيدك على وشي قدام أهلك، وكنت فاكر إنك بتضرب ‘خدامة’ مالهاش ضهر.. نسيت حاجة واحدة بس. نسيت إن الكرامة الإنسانية مش رخيصة، وإن اللي يسترخص عرض ست ويستهتر بكرامتها، يستاهل يتحمل عواقب ده لآخر يوم في عمره.”

قربت منه شوية وكملت بنبرة حادة وصارمة:

* “أنت وأهلك بنيتوا حياتكم على ظلم الناس، وسرقة مجهودهم، والاستقواء بالنفوذ. وأنا كنت السبيل اللي ربنا بعته عشان ينهي الظلم ده. مستنداتي مش هتتسحب، وقضاياكم مش هتتتنازل عنها.. عيشوا في القاع زي ما كنتوا عايشين على كتاف الغلابة، وذوقوا من نفس الكاس اللي سقتوه لناس كتير غيري.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *