أول يوم بعد الفرح ٢

الورقة ما كانش محطوط عليها إمضا، بس مكنش محتاج. خط “زياد” كان معروف ومميز.

فضلت باصة للورقة دقايق كاملة، وذكريات اليوم ده رجعت قدامي شريط سريع: سفرة الفطار، الغرور اللي كان مالي عيونهم، القلم اللي نزل على خدي وافتكروا إني هعيط وأستسلم، لحد انهيار إمبراطوريتهم كاملة.

قمت من على مكتبي، لبست بليزر أنيق وشنطتي، ونزلت تحت في العربية بتاعتي. ما كنتش رايحة عشان أشفق عليهم، ولا كنت رايحة عشان أتشمت فيهم أكتر ما هما فيه؛ أنا كنت رايحة عشان أشوف بعيني نهاية الفصل الأخير من القصة دي، وأقفل الباب ده للأبد ومانتفتكرهمش تاني.

سقت لحد العنوان المكتوب في ضهر الورقة؛ شقة صغيرة ومتهالكة في دور أرضي بمنطقة شعبية قديمة وشوارعها ضيقة. ركنت العربية ونزلت، وخطوات كعبي كانت بتخبط على الأرض ببطء وثبات لحد ما وصلت للباب الخشبي القديم.

خبطت خبطتين خفاف. الباب اتفتح ببطء، وظهر قدامي “زياد”.

منظره كان يصعب على الكافر. شعره أبيض تماماً وكثيف، ووشه شاحب ومليان تجاعيد ظهرت فجأة من كتر الهم والقهر والقلق، وهدومه كانت بسيطة ومهدودة. أول ما شافني، عيونه اتملت بدموع الندم والعجز، ووطى راسه للأرض فوراً مقدرش يبص في عيني.

* “أهلاً يا بشرى.. شكراً إنك جيتي.. مكنتش متوقع إنك هتقبلي.”

مدخلتش لجوه بسرعة، وقفت على الباب وقلت بصوت هادئ ومحايد تماماً:

* “أنا جيت عشان أنهي كل حاجة، مش عشانك يا زياد.. ادخلني للحاج محمود.”

هز راسه باستماتة وفتح لي الباب وسحبني للصالون الصغير، ومنه لأوضة نوم داخلية ريحتها دوا ورطوبة. على السرير الخشبي القديم، كان الحاج محمود العزّام نايم، جسمه نحيل جداً وشعره أبيض طويل، وراقد بين الحياة والموت، وبيتنفس بصعوبة بالغة.

أمه وأخته كانوا قاعدين في جنب الأوضة، أول ما شافوني، نزلوا راسهم في الأرض من الكسرة والذل، ومقدروش ينطقوا بحرف واحد من الشماتة القديمة اللي كانوا بيستقووا بيها زمان.

قربت من السرير ببطء، والحاج محمود فتح عيونه ببطء شديد، وفضل يرمش كأنه بيحاول يركز في الوش اللي واقف قدامه. ولما عرفني، صدر عنه صوت شخير خفيف من صدره، ودمعة سخنة نزلت من عينيه على خدود الملسوعة بالتجاعيد.

رفع إيده الضعيفة والمرتعشة، وبص لي بنظرة كلها توسل واسترحام، وقال بصوت مشروط وضعيف جداً:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *