أول يوم بعد الفرح ٢

وقف متجمد مكانه، وعيونه اتملت بدموع عجز حقيقية، وفتح بوقه عشان يقول كلمة، لكن الكلمات هربت منه تماماً. درت ظهري عنه، وسيبت الحساب بتاعي مدفوع على الترابيزة، ومشيت بخطوات ثابتة وواثقة، وأنا عارفة إن الصفحة دي اتوصدت للأبد، وإن حياتي الحقيقية بتبدأ دلوقتي وبس.

### الجزء الخامس

مرت الشهور بعد اللقاء القصير ده في المطعم، والحياة كانت ماشية في إيقاعها الطبيعي الهادئ والمنظم. شقتي بقت واحة السلام والراحة بعد سنين من التخطيط والتجميع والانتظار والتحضير للمعركة القانونية الكبرى ضد عيلة العزّام.

أما إمبراطورية العزّام، فتحولت رسمياً لقصة من قصص الفساد الكبرى اللي الصحافة الاقتصادية والقضائية بتتكلم عنها كعبرة لكل من يفتكر إن المال والجاه ممكن يشتروا الضمائر أو يحموا الظالم من عاقبة أفعاله. الحاج محمود العزّام دخل المستشفى في العناية المركزة نتيجة جلطة دماغية حادة أصابته بعد صدور الحكم النهائي بمصادرة كافة أمواله وممتلكاته لصالح الدولة والبنوك الدائنة، وبقى طريح الفراش بلا حول ولا قوة. أخته وأمه هربوا من المجتمع ومن نظرات الشماتة اللي كانت بتحاصرهم في كل مكان، وانتقلو لمحافظة تانية بعيدة، بيعيشوا في بيت قديم ومتهالك لا يكفي حتى لتغطية أبسط احتياجاتهم اليومية.

أما “زياد”، فبقى شبح للإنسان المغرور اللي كان يوم من الأيام. بقايا كبريائه انتهت تماماً، واضطر يشتغل بأبسط الوظائف المتاحة في مدينة بعيدة عشان يقدر يصرف على نفسه وأهله، وكل ما كان بيفتكر نظرتي الأخيرة ليه يوم المطعم، كان بيحس بمدى غبائه وسذاجته.

وفي يوم ربيعي هادي، كنت قاعدة في مكتبي الخاص، براجع العقود النهائية لشركة الاستشارات القانونية والمالية الجديدة اللي أسستها بجهودي وبأرباح مشروعة بعيدة عن أي شبهات. تليفوني رن، وبصيت على الشاشة لقيت رقم “شريف”.

فتحت الخط، وصوته الجهوري والمليان سعادة وصلني فورا:

* “بشرى هانم، مبروك رسميًا! آخر حكم قضائي صدر النهاردة بخصوص قضايا التلاعب العقاري بتاعتهم، وبكده الملف القانوني لعيلة العزّام اتقفل نهائيًا وبشكل كامل. ما بقاش ليهم أي ثغرة قانونية ولا أي أمل حتى في استرجاع جنيه واحد.”

ابتسمت براحة عميقة، ورديت عليه بصوت هادئ:

* “الحمد لله يا شريف.. تعبت معايا كتير على مدار السنين اللي فاتت، وشغلك وجهدك مكنش له سعر.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *