بنتي حكايات روماني مكرم ٢

“قفلت منى السكة، وحطت التليفون على الطرابيزة بهدوء. حست إن قلبها ارتاح تماماً، وإنها عملت الصح قدام ربنا وضميرها. لا ظلــ,,ـــــمت حد ولا اتنازلت عن حق بنتها اللي كاد يروح ضحية الإهمال. الأيام عدت، ومرت الشهور، والحياة في بيت حنان وعصام رجعت لمجراها الطبيعي بس بحذر وفهم أكبر.
عصام نزل ودور على شغل تاني بكل طاقة واجتهاد، لحد ما ربنا كرمه بوظيفة محترمة في شركة مقاولات كبرى، وبقى راجع البيت ديما شايل هم عياله ومراته وعايز يعوضهم عن كل لحظة رعب وقهر عاشوها.
حنان استردت صحتها تماماً، والجرح القديم التم واتقفل، وبقت تشوف عيالها التلاتة وهم بيحبو على السجاد وبيحاولوا ينطقوا أول كلماتهم. كل ما تبص لعيالها، تفتكر وقفة أمها الجبل جنبها، وتجري تحــ,,ـــــضنها وتقول لها: “ربنا ما يحرمني منك أبداً يا ست الكل.
. أنتي بجد بطلة قصتنا. “ومنى كانت بتبتسم بحب، وتقول لها: “الأم ملهاش غير ولادها يا حنان.. عيشوا أنتم واسعدوا، وخلوا بالكم من بعض، لأن الدنيا بتبتسم للي بيعرف يحافظ على بيته.”وفي أحد الأيام الهادية، كانت العيلة كلها متجمعة في بيت منى ومحمود.
محمود جوز منى، اللي كان زمان حاطط رجل على رجل وملوش خلق لأي مسؤولية، بص لبنته وحفيداته الثلاثة، وحس لأول مرة بحجم الغلط اللي كان فيه زمان. لما شاف بنته وهي بتضحك وجوزها عصام وهو واقف جنبه بيساعده في شيل واحد من العيال، حس إن الحياة ادته فرصة تانية عشان يكون أب وجد حقيقي مش مجرد ضيف في البيت.
قرب محمود من منى وهي بتجهز الشاي، وقال بصوت واطي وخجلان لأول مرة من سنين طويلة:— “قولي لي يا منى.. أنا كنت نيلت الدنيا زمان وكنت بعيد عنكم.. بس شكراً لإنك وقفتي وكنتي ست البيت وتاج راسنا وقت الحوقة والكارثة دي.. لولاكي كان البيت اتقلب تراب.
“منى بصت له بابتسامة خفيفة وقالت بجدية صافية:— “الماضي فات يا محمود، واللي فات مات.. المهم إن الواحد اتعلم الدرس وفاق قبل فوات الأوان.. العيلة بتتعمد بالنــ,,ـــــار والصعاب، ومش مهم إحنا بدأنا إزاي، المهم إحنا كملنا إزاي.”البيت كله رجعت له الدفء، والأطفال ملوا المكان ضحك ولعب.
ومنى قعدت على كرسيها المفضل، وبصت للكون حواليها بحب واطمئنان، حاسة إن المعركة خلصت، وإنها نجحت تكتب بدموعها وصبرها وسام الشرف على صدـ,,ـــر عيلتها كلها. مرت السنين وكأنها طيف سريع، لكن أثرها في قلب عيلة منى وعصام وحنان كان أعمق وأبقى من أي جرح.




