بنتي حكايات روماني مكرم ٢

في شقة حنان، اللي بقت توسع وتتدفق فيها الحياة والبهجة، كان التلات أطفال قد كبروا وبقوا في سنة أولى مدرسة، بيلبسوا الشنط الملونة ويجروا في الصالة بصوت ضحكاتهم البريئة اللي نسّتهم أي كابوس قديم. حنان بقت امرأة أخرى؛ أقوى، أوعى، وأكثر إدراكاً لقيمة كل ثانية بتعيشها وسط ولادها وجوزها.

الجرح القديم اختفى أثره تماماً، وبقي مجرد ذكرى بعيدة لليلية مرعبة كادت تخطفها من دنيتها، لكنها في نفس الوقت كانت الفاصل اللي كشف لها معادن الناس اللي حواليها. أما عصام، فكان نموذج للرجل اللي اتعلم القسوة والدرس من صدمة الحياة.

بعد شغلانة شركة المقاولات، اجتهد وطور من نفسه وبقى ليه اسم ومركز محترم، وكل قرش كان بيدخله بيته كان بيتحسب بحساب، وكل دقيقة فاضية كانت مخصصة لمراته وعياله اللي كان هيفقدهم في لحظة إهمال. مابقاش يسيب حنان تشيل الهم لوحدها أبداً، وبقى هو سندها الحقيقي في البيت والشارع.

وفي بيت منى ومحمود، التغير كان شبه جذري. محمود، الراجل اللي عاش سنين طويلة في برج عاجي من الاتكالية والبرود، كبر في السن وشاف مراته وهي بتحارب الدنيا عشان بنتها، حس بالخجل الحقيقي من نفسه.

مابقاش يقعد حاطط رجل على رجل زي الأول، وبقى يساعد منى في طلبات البيت، ويستنى أحفاده يوم الجمعة بلهفة وشوق عشان يحكي لهم حكايات زمان ويملى عليهم الصالة لعب ودوشة. منى، اللي فضلت طول عمرها بستان الصبر وقوة البيت، بقت قاعدة مرتاحة البال، شايفة ثمرة تعبها قدام عينيها، وجوزها اتقرب منها وبقى يعتبرها مش بس زوجة، دي شريكة عمره الحقيقية اللي أنقذت العيلة من الانهيار.

في أحد أيام الربيع الدافية، قررت العيلة كلها تعمل “لمة” كبيرة في بيت منى ومحمود بمناسبة عيد ميلاد الأطفال التلاتة اللي كملوا ست سنين. البيت كان مزين بالبالونات الملونة، ورائحة الكيك والحلويات مالية المكان. حنان كانت واقفة في المطبخ بتجهز العصائر، ودخلت عليها أمها منى وهي ماسكة صينية المعجنات.

بصت لها منى بحب عارم وقالت وهي بتعدل لها طرحتها:— “شايفه يا حنان.. الولاد كبروا وبقوا رجالة وپنات زي الفل.. الدنيا بتلف وبتدّي لكل مخلص حقه.”حنان حــ,,ـــــضنت أمها بقوة ودموع الفرح لمعت في عيونها وقالت بصوت مكسور من الحنان والامتنان:— “لولاكي يا ماما ولولا وقفتك ذي الجبل يوم ولادتهم، مكنتش بقيت هنا ولا كنت شوفت الضحكة دي في عيون ولادي.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *