التكييف حكايات روماني مكرم 4

مرت أسابيع على ، واستقرت حياة عبير في بيت أبيها الحاج عبد الله، عادت لعملها في الشركة بروح جديدة ونفسية هادئة بعد أن ردت المحكمة اعتبارها وأثبتت براءتها أمام الجميع. كانت الأيام تمر هادئة، تذهب لعملها صباحاً وترجع إلى بيتها لتجلس مع أبيها وأمها اللذين أحاطاها برعاية وحب أنسياها قسوة التجربة.

أما في الجانب الآخر، فقد تحولت حياة محمود وأمه إلى جحيم لا يطاق. بعد أن ترك محمود الشقة وغادر غاضباً، انتقل للعيش في شقة مفروشة صغيرة وقريبة من عمله، ملتزماً بدفع أقساط الديون التي اقترضها لسداد التعويضات المادية والقايمة لعبير. صار يذهب إلى عمله الحكومي ووجهه في الأرض، يتحاشى نظرات زملائه الذين وصلهم خبر ما حدث وتناقلوا تفاصيل قضية التشهير وخصم النفقة من مرتبه.

أما “أم محمود”، فقد وجدت نفسها وحيدة تماماً في الشقة الكبيرة. الجيران انفضوا من حولها بعد أن انكشفت حقيقتها وأسلوبها مع زوجة ابنها، وابنتها “سمر” وزوجها إبراهيم قطعوا زياراتهم كلياً لتفادي المشاكل التي سببتها لهم؛ حيث هدد إبراهيم زوجته بالطلاق إن هي فتحت سيرة أمهما أو حاولت التدخل في أمور لا تخصها مرة أخرى.

كانت الصالة بحري والشمس تضرب فيها طوال النهار كما كانت عبير تقول دائماً، والجو في أواخر الصيف كان خانقاً شديد الحرارة. قعدت أم محمود في صالتها الفارغة، الفرهدة والحر يكتمان نفسها، وحيدة لا تجد من يخدمها أو يطبخ لها كما كانت عبير تفعل بفطرتها وطيبتها. نظرت إلى مكان التكييف الفارغ، والمكان الخالي على الرخامة في مطبخها، واستشعرت لأول مرة حجم الخسارة والذنب.

في أحد أيام الثلاثاء، اشتد المرض على أم محمود، داهمتها سخونية شديدة مع ضيق في التنفس بسبب الحرارة المرتفعة ورطوبة الشقة. حاولت الاتصال بابنتها سمر، لكن هاتفها كان مغلقاً. اتصلت بمحمود، فرد بصوت جاف ومجهد:

* أيوة يا أمي.. خير؟ أنا في الشغل ومش فاضي.

قالت بصوت متهدج ومقطوع:

* الحقني يا محمود.. أنا والحر موتني ومش قادرة أقف على رجلي.. تعال خذني لأي دكتور!

تأفف محمود بقلة حيلة وأغلق الخط، واستأذن من عمله وجاء إليها. عندما دخل الشقة ووجدها ملقاة على الكنبة والعرَق يغمرها وهي تئن من الحر والحرقة، أخذها فوراً إلى المستشفى القريب. هناك، حسَم الطبيب الكشف وقال له بصرامة:

1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *