التكييف حكايات روماني مكرم 4

* الست دي عندها هبوط حاد في الدورة الدموية وضيق تنفس بسبب الإجهاد الحراري، ولازم تقعد في مكان متكيف ومهوّى كويس وتنظم أكلها وعلاجها، وإلا جلطة لا قدر الله ممكن تصيبها في أي لحظة!

نظر محمود لأمه وهو مكسور، وتذكر كلماتها السابقة لعبير حين كانت تقول لها ببجاحة: “التكييف ده ينزل شقتي أحطه في أوضة نومي عشان الجو حر عليا ومبقدرش أنام من الفرهدة”. تذكر كيف تحولت تلك الرغبة الطماعة إلى سبب في خراب بيته وضياع زوجته وعزله هو وأمه عن الناس.

جلس محمود بجوار سرير أمه في المستشفى، وكانت هي تبكي بدموع ندم حقيقية، حشرجة صوتها المريض خرجت تتوسل إليه:

* سامحني يا محمود.. أنا اللي خربت بيتك بيدَي.. أنا اللي طمعت في حاجة مش حقي وقويت قلبك على بنت الناس الشريفة.. أنا السبب في الفضيحة والحرجة اللي إحنا فيها.

سكت محمود ولم يرد، بل غطى وجهه بيديه وبكى بكاءً مراً على ما ضاع منه.

بعد خروج أم محمود من المستشفى، أصبحت بحاجة لخدمة ورعاية مستمرة، وبما أن محمود يعمل طوال النهار ولا يملك المال الكافي لاستئجار ممرضة أو خادمة بعد الأقساط والنفقة المقتطعة من مرتبه، اضطر أن يبحث عن زوجة جديدة تشيل عنه وعن أمه الحمل.

بدأ محمود يسأل ويطلب من بعض المعارف الوساطة لخطبة امرأة قبل بظروفه وشقته. ولكن السمعة كانت قد سبقت كل خطوة. كلما تقدم لبيت صبية أو امرأة، ويسأل أهلها عنه في منطقته أو في شركته القديمة، يأتي الرد صريحاً وقاسياً:

“ده الراجل اللي دخل أمه وأخته يسرقوا عفش مراته الموظفة وشقاها، وفضحها في شغلها، والمحكمة حكمت عليه بالحبس والنفقة!”

كانت الأبواب تُغلق في وجهه واحدة تلو الأخرى، ولم تقبل به أي عائلة تحترم ابنتها وتخاف على كرامتها.

وفي نهاية المطاف، وبعد محاولات فاشلة وكثيرة، لم يجد محمود أمامه سوى القبول بالتطوع لخطبة امرأة مطلقة ولديها ثلاثة أطفال، واشترط أهلها عليه شروطاً قاسية جداً: مؤخر صداق كبير، وإلغاء أي تدخل لأمه في حياتهما، وأن تكتب الشقة باسمها أو يدفع لها إيجاراً مستقلاً، بالإضافة إلى إحضار تكييف جديد وأجهزة حديثة بماله الخاص وقبل عقد القران!

وجد محمود نفسه مجبراً على كتابة كمبيالات جديدة ودخول ديون مضاعفة فوق ديونه القديمة فقط ليجد امرأة تقبل العيش معه ومع أمه المريضة التي أصبحت لا تستطيع الحركة إلا بمساعدة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *