أخت جوزي حكايات رشا

ضحكت من الصدمة.
إنت جاي تسألني ليه بلغت الشرطة، مش ليه أختك كسرت شقتي؟
قعد على الكنبة وحط إيده على راسه.
أنا مش فاهم إيه اللي حصل بالضبط. سارة بتقول إنها راحت شقتك عشان تتكلم معاكي، وإن الناس اللي معاها هما اللي بوظوا الدنيا.
طلعت الموبايل وفتحت التسجيل.
شغلت الفيديو قدامه.
في التسجيل، سارة كانت واقفة قدام الباب، وبتتكلم مع الراجل اللي ماسك أداة حديدية.
الصوت ما كانش واضح بالكامل، لكن صورتها كانت واضحة جدًا.
وبعد لحظات، ظهر واحد من الرجال وهو بيضرب الباب بالأداة.
سارة رجعت خطوة لورا، ووقفت تتابع.
أحمد فضل باصص للشاشة من غير ما ينطق.
لما التسجيل خلص، رفع عينه ليا.
هي فعلًا عملت كده؟
قلت
التسجيل قدامك.
بس ليه؟
إنت اللي المفروض تجاوب على السؤال ده.
حط إيده على وشه.
يا نهار أبيض…
لأول مرة، شفت عليه صدمة حقيقية.
لكن الصدمة ما استمرتش كتير.
بعد دقائق، رفع راسه وقال
طيب، خلاص. أنا هخليها تعتذرلك، وهجيب صنايعية يصلحوا كل حاجة.
بصيت له.
وبعد كده؟
يعني إيه بعد كده؟
هتدفعوا تمن كل حاجة اتكسرت؟ هتلتزموا بالتقييم؟ وهتسيبوا الشرطة تكمل إجراءاتها؟
اتنهد بضيق.
مريم، إنتِ عايزة الموضوع يوصل لفين؟
قلت
أنا ما وصلتش الموضوع لأي مكان. أختك هي اللي بدأت.
بس دي أختي!
وأنا دي شقتي.
سكت.
كملت
أحمد، أنا مش فاهمة إنت جاي هنا بصفتك إيه. لو جاي تعتذر عن اللي حصل، فأنا سامعاك. لو جاي تضغط عليَّ عشان أتنازل، فمش هينفع.
قال بعصبية
إنتِ بتعاملي الموضوع كأننا أعداء!
رديت
أنا ما كنتش عدوة حد، لحد ما لقيت بيتي مكسور.
قام من مكانه وبدأ يمشي في الصالة.
أنا مش قادر أصدق إنك ممكن تدمري علاقتنا بسبب موقف زي ده.
الجملة دي كانت آخر حاجة محتاجة أسمعها.
بصيت له وقلت
علاقتنا؟
أيوه، علاقتنا!
طيب، قولي لي يا أحمد، لو أنا اللي كنت جبت ناس يخلعوا باب شقة أختك، وكسرت حاجاتها، كنت هتطلب منها تسامحني عشان خاطرك؟
ما ردش.
كررت السؤال
لو كنت أنا اللي عملت كده، كنت هتقول لها إن الموضوع مجرد خلاف عائلي؟
خفض عينه.
ما احتاجش يجاوب.
أنا عرفت الإجابة.
قلت بهدوء
اتفضل يا أحمد.
بص لي بذهول.
إنتِ بتطرديني؟
أنا بطلب منك تمشي، لأني مش مستعدة أكمل النقاش ده.
وقف قدامي لحظات.
وبعدين قال
هتندمي على اللي بتعمليه.
ابتسمت بحزن.
يمكن أندم على حاجات كتير في حياتي، لكن مش هندم إني دافعت عن بيتي.
خرج وقفل الباب وراه پعنف.
ندى كانت واقفة عند باب أوضتها، بتسمع كل حاجة.
قربت مني
وسألت
إنتِ كويسة؟
هزيت راسي.
أيوه.
لكن الحقيقة إني ما كنتش كويسة تمامًا.
كنت موجوعة.
مش على أحمد اللي مشي.
كنت موجوعة على نفسي، وعلى كل مرة أقنعت نفسي فيها إن الحب كفاية عشان يخلّي الإنسان يقف في صفك وقت الشدة.
بالليل، فتحت اللابتوب وبدأت أراجع حساباتي.
الشقة محتاجة إصلاحات كتير.
والحياة مش هتقف لحد ما القضية تخلص.
قررت أبدأ من أول وجديد.
كلمت شركة التشطيب، واتفقنا على معاينة شاملة، لكن من غير ما نغيّر أي حاجة قبل ما الإجراءات تسمح بكده.
كلمت البنك عشان أراجع التزاماتي المالية.
وبعدها بعت رسالة لأستاذ شريف أأكد له إني مستمرة في المطالبة بحقي.
وقبل ما أنام، فتحت محادثة أحمد.
فضلت أبص لصورتنا سوا فترة طويلة.
كان واقف جنبي يوم ما استلمت مفتاح الشقة لأول مرة.
وقتها قال لي
أهو ده بيتنا اللي هنبدأ فيه حياتنا.
ابتسمت وأنا فاكرة اللحظة.
وبعدين قفلت المحادثة.
لأن الحقيقة اللي اتعلمتها في اليومين دول كانت واضحة جدًا.
مش كل شخص بيقول لك إحنا عيلة بيكون فعلًا مستعد يحميك.
وأحيانًا، أول ما تطلب حقك، تكتشف إنهم كانوا بيعتبروا سكوتك جزءًا من الاتفاق.
لكن أنا خلاص…
مش هسكت تاني.
وفي صباح اليوم التالي، وصلني إشعار رسمي بموعد استدعاء سارة لاستكمال التحقيق.
وبعده بدقائق، وصلتني رسالة منها.
إنتِ فاكرة نفسك كسبانة يا مريم؟
قريتها مرة.
وبعدين كتبت لها
أنا مش داخلة مسابقة معاكي يا سارة. أنا بطالب بحقي، واللي عنده حق مش محتاج ېخاف من الحقيقة.
وبعت الرسالة.
ما كنتش أعرف وقتها إن سارة لسه مخبية حاجة أكبر.
حاجة لو ظهرت، مش هتخلّي موقفها ضعيف قدام الشرطة وبس…
دي هتخلّي حتى عيلتها نفسها تتمنى لو إنها ما كانتش بدأت الحكاية دي من الأساس.
الجزء التالت التسجيل اللي قلب الطاولة على عيلة أحمد كلها!
بعد يومين من بداية التحقيق، رحت القسم عشان أقدم باقي المستندات اللي طلبوها مني.
كان معايا نسخة من عقد الملكية، والفواتير، وصور التلفيات، وتسجيلات الكاميرات.
أستاذ شريف كان نصحني إني أسيب كل حاجة موثقة، وأبعد تمامًا عن أي نقاش مباشر مع سارة أو أهلها.
وبالفعل، ما حاولتش أتصل بحد منهم.
لكن هم ما سابونيش في حالي.
أول مكالمة جت لي كانت من والدة أحمد.
ما رديتش.
بعدها اتصل والده.
برضه ما رديتش.
وبعدين أحمد نفسه بعت رسالة طويلة.
مريم، أنا عارف إنك زعلانة، وعارف إن اللي حصل كبير، بس لازم تفكري بعقل. إنتِ وأنا كنا بنحب بعض، وما ينفعش نضيّع كل حاجة بسبب
غلطة من سارة. أبويا مستعد يدفع تكاليف الإصلاح، وأنا مستعد أعمل أي حاجة عشان نرجع زي الأول. بس أرجوكي، وقفي الإجراءات.
قريت الرسالة أكتر من مرة.
الغريب إنه ما قالش إن سارة
غلطانة بشكل واضح.
ولا قال إنه موافق إنها تتحمل مسؤولية اللي عملته.
كل اللي كان عايزه إن الإجراءات تقف.
كتبت له
أنا ما ضيعتش حاجة يا أحمد. أنا بطالب بحقي. ولو إنت شايف إن إصلاح العلاقة معناه إني أتنازل عن حقي، يبقى إحنا فعلًا ما كناش فاهمين بعض طول السنين اللي فاتت.
بعت الرسالة، وقفلت الموبايل.
في القسم، الضابط المسؤول عن التحقيق طلب مني أشرح اللي حصل بالتفصيل.
حكيت له عن الخلاف اللي حصل بيني وبين سارة بسبب الفلوس، وعن موضوع مفتاح الشقة، وعن المكالمات اللي جت لي بعدها.
ما حاولتش أتهم حد بحاجة ما عنديش دليل عليها.
كل اللي عملته إني حكيت الوقائع زي ما حصلت.
بعد ما خلصت، الظابط قال
إحنا راجعنا تسجيل الكاميرات، وهنستكمل سماع أقوال الأشخاص اللي كانوا موجودين. المهم إن حضرتك تحتفظي بكل المستندات، وما تتواصليش مع أي طرف بطريقة ممكن تأثر على التحقيق.
حاضر.
خرجت من القسم وأنا حاسة إن الأمور بدأت تمشي في طريق واضح.
لكن وأنا نازلة السلم، سمعت صوت حد بينادي اسمي.
لفيت.
كانت واحدة من جاراتي في العمارة، اسمها أستاذة منى.
ست في الخمسينات، ساكنة في الدور اللي تحتي، وكنت دايمًا بسلم عليها لما أشوفها في الأسانسير.
قربت مني وهي مترددة.
يا مريم، ممكن أتكلم معاكي دقيقة؟
طبعًا يا طنط.
بصت حواليها، وبعدين قالت
أنا عرفت اللي حصل في شقتك، وربنا يعوض عليكي.
شكرتها.
لكنها كملت
أنا مش عارفة إذا كان الكلام ده هيفيدك ولا لأ، بس يوم ما حصلت المشكلة، كنت راجعة من بره وشوفت سارة داخلة العمارة ومعاها ناس. سمعتها بتتكلم معاهم عند المدخل.
سألتها
قالت إيه؟
ردت
ما سمعتش كل الكلام، لكن سمعتها بتقول لهم إنهم لازم يخلصوا بسرعة قبل ما ترجعي، وإنها مش عايزة تسيب حاجة سليمة.
حسيت بقلبي بيدق أسرع.
حضرتك متأكدة من الكلام ده؟
قالت
أنا متأكدة من اللي سمعته، لكن ما أقدرش أقول لك أكتر من كده. ولو الشرطة طلبت شهادتي، هقول اللي حصل.
شكرتها من قلبي.
وبعد ما مشيت، اتصلت بأستاذ شريف وحكيت له.
قال لي
ما تضغطيش عليها، وما تطلبيش منها تقول غير الحقيقة. لو عندها استعداد تشهد، نخلي الموضوع يتم من خلال الإجراءات الرسمية.
وافقت.
بعدها بيوم، حصلت حاجة ما كنتش متوقعاها.
كنت في الشركة، براجع تصميم جديد، لما موظفة الاستقبال اتصلت بيا وقالت
يا أستاذة مريم، فيه ناس بره عايزين يقابلوكي، وبيقولوا إنهم من عيلة خطيبك.
حسيت إن صدري ضاق.
قلت
لها
أسماءهم إيه؟
والدته وأخته.
غمضت عيني.
كان نفسي أرفض مقابلتهم، لكن جزء مني كان عايز يسمع هما جايين يقولوا إيه بعد كل اللي حصل.
طلبت من الاستقبال تدخلهم غرفة الاجتماعات الصغيرة، ونزلت لهم.
أول ما دخلت، سارة كانت قاعدة على الكرسي، لابسة هدوم غالية، وحاطة رجل على رجل، وكأنها جاية زيارة عادية.
والدتها كانت جنبها، ماسكة شنطتها بإيديها.
أول ما شافتني، قالت
أخيرًا يا مريم. إحنا بقالنا يومين بنحاول نوصل لك.
رديت
خير يا طنط؟ عندي شغل، فلو سمحتوا خلونا ندخل في الموضوع.
سارة رفعت عينيها وبصت لي بسخرية.
إنتِ لسه مصممة تكملي في اللي بتعمليه؟
قلت
أيوه.
ضحكت وقالت
إنتِ فاهمة إنك كده بټأذي أحمد كمان؟
رديت
أحمد ما اتأذاش غير لما اكتشف إن أخته كسرت شقتي.
والدتها تدخلت بسرعة
يا بنتي، إحنا جايين نتكلم معاكي بالعقل. سارة غلطت، وأنا مش بقول إنها ما غلطتش، لكن إحنا مستعدين نعوضك عن كل حاجة.
بالتقييم الرسمي؟
اتنهدت.
إنتِ ليه مصممة على الكلام ده؟ إحنا مش هنسيب حقك.
قلت
لأن حقي مش بيتحدد حسب مزاج أي حد. فيه أضرار لازم تتوثق، وفيه إجراءات بدأت بالفعل.
سارة قامت من مكانها فجأة.
إنتِ عايزة إيه بالضبط؟! فلوس؟ قولي رقم وأنا أديهولك!
بصيت لها من غير انفعال.
أنا مش بطلب منك هدية يا سارة. أنا بطالب بتعويض عن خسائر اتسببتِ فيها.
صړخت
ما أنا هعوضك!
يبقى سيبي الإجراءات تمشي.
ضړبت بإيدها على الترابيزة.
إنتِ فاكرة إنك لما تكسبي قضية هتبقي أحسن مننا؟
قلت
أنا مش عايزة أبقى أحسن من حد. أنا عايزة أرجع بيتي زي ما كان، وأحصل على حقي.
والدتها قربت مني وقالت بصوت منخفض
اسمعيني يا مريم، إنتِ لسه صغيرة، ولسه هتتجوزي. ما تخليش موضوع زي ده يبوظ مستقبلك. الناس هتتكلم، وهيقولوا إنك بلغتي عن أهل جوزك قبل الفرح.
بصيت لها طويلًا.
وبعدين سألتها
حضرتك شايفة إن المشكلة في الناس اللي هتتكلم، مش في بنت حضرتك اللي اقټحمت بيتي؟
ما ردتش.
كملت
لو أنا كنت بنتك، وواحد دخل بيتي وكسّر حاجتي بالشكل ده، كنتِ هتطلبي مني أسامحه عشان الناس ما تتكلمش؟
وشها اتغير.
أما سارة، فكانت بتبص لي بكره واضح.
قالت
إنتِ هتندمي على اليوم اللي ډخلتي فيه عيلتنا.
رديت
أنا ندمت فعلًا، بس مش على اللي إنتِ فاكره.
سكتت لحظة، وبعدين قلت
أنا ندمت إني صدقت إن الاحترام المتبادل ممكن يتبني مع ناس شايفة إن حدود الآخرين مجرد اقتراح.
طلبت منهم يمشوا.
والدة أحمد قامت وهي
بتتمتم بكلام غاضب، أما سارة فقبل ما تخرج، قربت مني وقالت بصوت واطي
لسه ما خلصناش يا مريم.
ما رديتش.
لأن كل الكلام اللي كان ممكن أقوله لها، كنت قلته بالفعل.
بعد ما خرجوا، رجعت مكتبي وحاولت أكمل شغلي.
لكن بعد حوالي ساعة، وصلني إيميل من رقم مجهول.
عنوان الرسالة كان
بخصوص شقة وادي النخيل.
فتحتها بحذر.
كان فيها ملف فيديو قصير، ومعاه جملة واحدة
شوفي أخت خطيبك كانت بتخطط لإيه قبل ما تدخل شقتك.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
ما فتحتش الفيديو فورًا.
بعت الرسالة لأستاذ شريف، وطلبت منه يشوفها ويتأكد إنها آمنة، وبعدها اتصل بي وقال
الفيديو واضح إنه مرتبط بالواقعة. هنحتفظ بالنسخة الأصلية وبيانات الرسالة، وهنقدمه بالطريقة المناسبة لو اتأكدنا من مصدره وأهميته.
بعد شوية، اتصل بي تاني.
صوته كان جادًا.
يا مريم، محتاجك تشوفي الفيديو بنفسك، لكن ما تتسرعيش في تفسير أي حاجة فيه.
فتحت الملف.
كان تسجيلًا لمحادثة مصورة داخل مكان يشبه كافيه.
سارة كانت قاعدة مع اتنين من أصحابها، وبتتكلم بصوت واضح.
واحدة من البنات سألتها
إنتِ فعلًا هتروحي شقة مريم؟
سارة ضحكت.
أيوه. هي فاكرة نفسها مين عشان ترفض تديني المفتاح؟
البنت التانية قالت
طب وأحمد؟ مش هيزعل؟
سارة هزت كتفها.
أحمد؟ ده أخويا. مهما حصل، في الآخر هيقف في صفي.
وبعدين قربت من الطاولة وقالت جملة خلت إيدي تبرد
أنا مش رايحة آخد حاجة. أنا عايزة أكسر لها عينها بس. هخليها تفهم إن محدش يقدر يقول لي لأ، خصوصًا واحدة لسه ما بقتش مرات أخويا.
واحدة من صاحباتها قالت بتردد
بس لو الموضوع وصل للشرطة؟
سارة ضحكت مرة تانية.
ومين هيصدق إنها خسړت ملايين؟ دي هتقول أي رقم عشان ټنتقم مني. وبعدين، بابا هيتصرف. إحنا نعرف ناس كتير.
الفيديو وقف عند اللحظة دي.
فضلت باصة للشاشة من غير حركة.
ما كانش مجرد دليل إنها شاركت في الټدمير.
كان دليلًا على إنها خططت له، وإن الهدف ما كانش خلافًا عابرًا.
هي كانت عايزة تعاقبني لأنني رفضت طلبها.
لكن اللي وجعني أكتر من كلامها عن الفلوس، كان كلامها عن أحمد.
مهما حصل، في الآخر هيقف في صفي.
الجملة دي كانت بتكشف حاجة أكبر من سارة نفسها.
هي كانت واثقة إنها تقدر تعمل أي حاجة، لأن أخوها هيغطي عليها.
ويمكن كانت واثقة من ده لأنها جربته قبل كده.
أستاذ شريف قال لي
الفيديو ممكن يكون مهم، لكن لازم نتحقق من مصدره وسياقه، ونقدمه للجهة المختصة من غير تعديل. ما ننشرهوش على
الإنترنت، وما نستخدموش للضغط على أي حد.
قلت
أنا مش عايزة أنشره.
كويس. إحنا هنركز على القضية والأدلة.
في نفس الليلة، اتصل بي أحمد.
المرة دي رديت.
كانصوته مختلفًا تمامًا.
مريم، إنتِ وصل لك فيديو عن سارة؟
سألته
إنت عرفت منين؟
سكت شوية.
وبعدين قال
هي اتصلت بيا وبتعيط، وبتقول إنك بتحاولي تدبري لها مصېبة.
ضحكت بمرارة.
أنا ما دبرتش حاجة يا أحمد. الفيديو وصل لي من شخص مجهول، وأنا سلمته للمحامي عشان يتأكد من صحته.
طب ممكن تبعتيه لي؟
ليه؟
عشان أشوفه.
قلت
لو عايز تعرف الحقيقة، ممكن تشوفه من خلال الإجراءات الرسمية. لكن أنا مش هبعت ملفات القضية بشكل عشوائي.
صوته ارتفع.
إنتِ بقيتي بتعاملي كل حاجة كأنها قضية!
رديت
لأن اللي حصل مش مجرد خناقة بيني وبين أختك.
مريم، أنا تعبت. أختي بټعيط من يومين، وماما حالتها صعبة، وأبويا مش عارف يتصرف. إنتِ عايزاني أعمل إيه؟
سكت لحظة، وبعدين قلت
عايزاك تعمل اللي كنت هتعمله لو أنا اللي ارتكبت الغلط.
ما ردش.
فكملت
عايزاك تبص للحقيقة من غير ما تسأل نفسك إزاي تحمي أختك منها.
قال بصوت منخفض
إنتِ مش فاهمة علاقتي بسارة.
رديت
لأ يا أحمد، أنا فهمتها أخيرًا.
هي متعودة إنك تحل لها كل مشكلة، وإن أي حد يعترض على تصرفاتها يبقى هو الغلطان.
وأنا كنت فاكرة إنك هتكون مختلف لما الموضوع يخصني.
سمعته بيتنفس بصعوبة.
وبعدين قال
أنا بحبك يا مريم.
الجملة دي كانت زمان كفاية إنها تخليني أتنازل عن أي حاجة.
لكن المرة دي، ما حسيتش بنفس التأثير.
قلت
الحب مش كلمة بتتقال لما تخاف تخسر حد. الحب بيبان لما يبقى عندك اختيار صعب، وتقرر تقف مع الصح حتى لو كان ضد حد بتحبه.
سكت طويلًا.
وبعدين سأل
يعني خلاص؟
بصيت من الشباك.
الشارع كان هادي، والأنوار منعكسة على الأرض بعد مطر خفيف.
قلت
أنا مش هقدر أتجوز شخص بيطلب مني أتنازل
عن حقي عشان يحافظ على راحة عيلته.
مريم، استني…
لكنني كنت خلصت كلامي.
قفلت المكالمة.
وبعدها بعت له رسالة قصيرة
أنا بفسخ خطوبتنا يا أحمد. هنتواصل من خلال أهلنا بخصوص أي متعلقات أو ترتيبات باقية. أما موضوع الشقة، فهيمشي في طريقه القانوني.
ما استنيتش رده.
حذفت صورته من خلفية الموبايل.
وشلت خاتم الخطوبة من إيدي، وحطيته في علبته.
ما رميتوش.
ولا حاولت أكسره.
حطيته في الدرج، جنب الأوراق اللي كنت مجهزاها للفرح.
لأن حتى النهايات، من وجهة نظري، لازم تتم بوضوح واحترام.
بعد أسبوع، اتحدد موعد جديد لاستكمال التحقيق وسماع أقوال سارة وباقي الأشخاص اللي ظهروا في تسجيل الكاميرات.
أستاذ شريف قدم المستندات، وطلب اتخاذ الإجراءات اللازمة لفحص التسجيل الإضافي والتحقق من مصدره.
وفي الوقت نفسه، بدأت إجراءات معاينة التلفيات وتقدير قيمتها.
كنت كل يوم بروح الشقة، أقف عند الباب المؤقت، وأراجع مع المهندسين إيه اللي محتاج يتصلح وإيه اللي لازم يتغير بالكامل.
التقدير الأولي كان كبيرًا بالفعل.
لكن الأهم إن كل بند بقى موثقًا.
باب جديد.
زجاج البلكونة.
الأثاث.
الأجهزة.
التشطيبات.
الأعمال اللي اتأثرت بسبب التكسير.
كل حاجة بقت لها مستندات وصور وفواتير.
وفي وسط كل ده، بدأت أفهم إن استرداد حقي مش مجرد معركة ضد سارة.
كان كمان فرصة إني أرجع أسيطر على حياتي.
بطلت أتابع أخبار عيلة أحمد.
بطلت أسأل نفسي إذا كان ندمان أو لأ.
ورجعت أركز في شغلي.
وبعد أسابيع، وصلني اتصال من أستاذ شريف.
قال
يا مريم، فيه تطور مهم. الجهات المختصة استكملت جزءًا من التحقيق، والتسجيلات وأقوال الشهود ساعدت في توضيح دور كل شخص.
كمان ملف تقدير الأضرار بقى أقوى بعد ما جمعنا الفواتير والمستندات.
سألته
يعني إيه الخطوة الجاية؟
شرح لي الإجراءات اللي هتتم بعدها، وأكد إن الفصل النهائي في المسؤولية والتعويض هيتحدد من خلال المسار القانوني.
شكرته وقفلت.
كنت عارفة إن الطريق لسه ما خلصش.
لكن للمرة الأولى، ما كنتش خاېفة من نهايته.
لأن سارة كانت فاكرة إنها لما تكسّر شقتي، هتجبرني أعتذر لها.
وأحمد كان فاكر إنني هتنازل عن حقي عشان ما أخسرش الجوازة.
أما أنا…
فكنت أخيرًا بتعلم إني مش مضطرة أخسر نفسي عشان أحافظ على أي حد.
وفي اليوم اللي رجعت فيه شقتي بعد انتهاء الإجراءات اللي سمحت ببدء الإصلاحات، وقفت في الصالة وبصيت حواليَّ.
المكان لسه محتاج شغل.
لكن الباب الجديد كان راكب.
والزجاج اتغير.
والصنايعية بدأوا يصلحوا الجدران والأرضيات.
فتحت الشباك، ودخل الهوا النضيف.
وبعدين طلعت من شنطتي صورة صغيرة كنت محتفظة بيها للعصفورين الخزف قبل ما يتكسروا.
حطيتها على الترابيزة المؤقتة.
وقلت لنفسي
البيت ده هيرجع أحسن من الأول.
مش عشان أثبت لسارة حاجة.
ولا عشان أحمد يندم.
لكن عشان أنا أستحق أعيش في مكان أحس فيه بالأمان.
أما ال مليون و ألف جنيه…
فمش هسيب حقي فيهم.
مش بدافع الاڼتقام.
لكن لأن اللي بيحترم نفسه، لازم يعرف كمان إزاي يحافظ على حقه.
والحكاية دي، مهما كانت نهايتها القانونية، علمتني درسًا عمري ما هنساه
اللي بيحبك بجد مش هيطلب منك تدفعي تمن غلط غيرك، واللي بيحترمك مش هيعتبر سكوتك موافقة.
وأنا، مريم، خلاص ما بقيتش البنت اللي ممكن تتنازل عن حقها عشان ترضي عيلة خطيبها.
أنا بقيت البنت اللي عرفت أخيرًا إن بداية
حياة جديدة مش لازم تكون مع شخص جديد…
أحيانًا، بتبدأ أول ما تقرر تقفل الباب وراك، وتمشي من غير ما تبص لورا.




