اتطلقت بسبب الغربة حكاوي شيمو ١

“أنا اتطلقت علشان جالي شغل بره مصر، وجوزي رفض يسافر معايا، فاضطريت أتنازل عن كل حاجة حتى ولادي، علشان ألحق الفرصة اللي كانت ممكن تغير حياتنا كلنا… بس بعد سنتين غربة، رجعت إجازة أكتشف إن جوزي السابق مش عايز يرجعلي ولادي علشان خايف عليهم، لأ، ده عايز يدهُملي علشان يتجوز واحدة تانية! ولما قررت أأجر لهم شقة وأجيب لهم ناني، حصلت حاجة خلتني أراجع كل قراراتي، وأشك إن فيه حد مخبي عني سر خطير يخص ولادي!”
أنا عندي ٣٥ سنة، واتطلقت من جوزي من سنتين، والسبب كان فرصة شغل جاتلي بره مصر، فرصة كنت بحلم بيها من سنين، وكنت شايفاها طوق نجاة لينا من الغلا والديون اللي بقينا بنغرق فيها.
أنا وجوزي عندنا ولد وبنت، الولد عنده ١٢ سنة والبنت عندها ٩ سنين، وكنت عايشة علشانهم، وكل اللي كنت بتمناه إني أوفر لهم حياة أحسن، وما يحتاجوش حاجة.
لما جتلي فرصة الشغل، قعدت مع جوزي وقلتله: ـ بص يا أحمد، أنا عارفة إن السفر مش سهل، بس دي فرصة مش هتتعوض، والمرتب هناك كويس جدًا، وإنت كمان ممكن تقدم على إجازة من شغلك، ونسافر إحنا الأربعة، ونبدأ من جديد، وبعد كام سنة نرجع نشتري شقة ونأمن مستقبل الولاد.
بصلي باستغراب وقال: ـ إنتِ بتتكلمي بجد يا مريم؟ أسيب شغلي وأهلي وبلدي وأسافر وراكي؟!
قلتله وأنا بحاول أشرح له: ـ مش هتسيب شغلك للأبد، قدم على إجازة من غير مرتب، ولو الدنيا ما ظبطتش نرجع. إحنا مش بنروح نتمشى، إحنا بنحاول نعيش كويس.
رد بعصبية: ـ أنا مش هسيب مصر، واللي عايز يسافر يسافر لوحده!
سكت شوية، وبعدين قلتله: ـ يعني إيه؟ يعني هسيب ولادي هنا وأسافر؟!
قال بمنتهى البرود: ـ ما هما ولادي زي ما هما ولادك، وأنا أبوهم، وهعرف أربيهم. إنتِ لو عايزة تسافري دي حاجتك.
الكلام وجعني، بس كنت محطوطة بين نارين؛ يا إما أضيع فرصة عمري، يا إما أحاول أأمن مستقبل ولادي حتى لو من بعيد.
فضلت أسابيع أحاول أقنعه، مرة بالهدوء ومرة بالزعل، وأوقات كنت بعيط وأقوله: ـ يا أحمد، أنا مش عايزة أسيب عيالي، أنا عايزاك تيجي معايا ونعيش سوا، هو إحنا هنفضل طول عمرنا بنحسب تمن الأكل وفواتير الكهربا؟!
كان رده واحد: ـ قراري نهائي.
وفي الآخر، لما لقيت ميعاد سفري قرب، وافقت على الطلاق، وتنازلت عن حاجات كتير، ووافقت إن الولاد يقعدوا معاه، علشان ننهي الموضوع بسرعة من غير محاكم وقضايا، وما تضيعش مني فرصة الشغل.
بس قبل ما أمشي، قعدت مع ولادي، وكنت حاسة إن قلبي بيتقطع.
بنتي حضنتني وقالت: ـ ماما، إنتِ هتسافرِي وتسيبيني؟!
حضنتها ودموعي نازلة: ـ يا حبيبتي، أنا مسافرة علشانكم، علشان لما تكبروا ما تحتاجوش لحد، وعلشان أقدر أجيب لكم كل اللي نفسكم فيه.
ابني كان ساكت، ولما بصيتله لقيته بيعيط في صمت.
قربت منه وقلت: ـ إنت زعلان مني يا يوسف؟
هز راسه وقال: ـ لأ يا ماما، بس أوعي تنسينا.
مسكت وشه بين إيديا وقلتله: ـ أنساكم إزاي؟! ده أنا بسافر علشانكم، وهكلمكم كل يوم، وكل قرش هتعب فيه هيكون علشانكم.
وسافرت.
في أول سنتين، كنت بكلمهم فيديو باستمرار، وببعت لهم فلوس وهدايا، وكل ما أسألهم عن حاجة ناقصاهم كنت أحاول أوفرها لهم على قد ما أقدر.
كان أحمد في الأول متعاون، وكنت بحس إن الدنيا ماشية، وإن ولادي رغم بعدي عنهم عايشين كويس.
لكن من حوالي ٣ شهور، بدأت ألاحظ إن مكالماتي معاهم قلت، وكل ما أتصل ألاقي الموبايل مقفول، أو أحمد يرد ويقولي: ـ الولاد نايمين. ـ الولاد بيذاكروا. ـ الولاد خرجوا معايا.
لحد ما جه يوم فضلت أتصل ببنتي طول اليوم ومحدش رد.
قلقت، وكلمت أحمد، رد عليا بضيق وقال: ـ يا مريم، إنتِ مش وراكي غير التليفونات؟! الولاد عندهم حياتهم، ومش كل شوية هيمسكوا الموبايل يكلموكي!
قلتله: ـ أنا أمهم يا أحمد، ومن حقي أطمن عليهم. بقالي أيام مش عارفة أسمع صوتهم حتى!
قال: ـ هما أصلًا مش عايزين يكلموكي.
حسيت إن حد صب عليا مية ساقعة.
قلتله: ـ إنت بتقول إيه؟! ولادي مش عايزين يكلموني ليه؟! أنا عمر ما قصرت معاهم، ولا عمري نسيتهم!
قفل في وشي.




