عشق الغرام
ولم ينتظر ردها، بل أستدار منصرفًا، وانسابت دمعة حزينة على وجهها وهي تشيع رحيله، وما أن غاب عن بصرها حتى سقطت مرتكزة على كفيها فوق الأرض وهي تشهق بغصة مريرة.
ماذا قد تقول لوالدها حين يعود؟
كيف ستواجه الناس؟!
بل ماذا سيقولون عن بنت تخلى عنها زوجها الذي هو ابن عمها قبل موعد الزفاف بأيام قلائل؟
لا حياة لشخصٍ حزين أثقلته الهموم، ولا أمان لشخصٍ متقلب المشاعر خائن النفس، ظلت (غرام) كامنة في مكانها تبكي في صمتٍ حائر، وقد جزعت أشد جزع من مواجهة والدها، بل أفزعتها الوساوس وأخذت تحركها كريشة في مهب الريح.
وبينما هي واقفة لدن الباب، إذ أنبعث صوت من داخل البيت لسيدة طاعنة في السن، تقول بهذيان:
_بتعملي إيه يا بت عندك؟ وبعدين فين ابني عبده؟ إزاي سايبك واقفة كدا؟
ألتفتت إليها (غرام) ولم تنبس ببنتِ شَفة، فتوسمت فيها المرأة النظر، وغمغمت وهي ترفع العصاة التي تتكأ عليها، وتلوح بها في وجهها:
_أنتِ خدامة هنا ولا حرامية؟ انطقي يا بت ساكتة ليه؟!
شهقت (غرام) في البكاء، وما تجدي العبرات عن حزنٌ استوطن القلب؟ فمحت عبارتها بأصابعها، واندفعت نحو جدتها ترتمي بين ذراعيها، فرقت لها المرأة العجوز وتركت العصاة من يدها وهي تربت على ظهرها، قائلة:
_متبكيش يا بنتي خلاص لما يجي أبوكي من برا هخليه يجيب لك اللعبة اللي عايزها.
فضحكت غرام من وسط دموعها، وهمست بصوت متهدج:
_كفاية يا تيتا بقا، أنا تعبت..
وسكتت لهنيهة، ثم أتبعت تقول:
_ابن ابنك طلقني قبل فرحنا، الناس هتقول عليَّ إيه؟
لكنَّ جدتها لم تعر عبارتها اهتمامًا، إنذاك انبعثت صوت نحنحة رجولية من ورائهما، ثم علا صوت عبد السلام، قائلًا بتلهف:
_غرام، مالك يا بتي بتبكي ليه؟
فأستدارت له غرام، وقد أحجمت عمَّا كادت أن تبوح به، ورمقته مليًا، ثم قالت في ثبات:
_ طارق بن عمي كان هنا.
اومأ والدها برأسه وهو يدنو منها، قائلًا في دهشة:
_وماله، فين المشكلة؟
ثم أستدرك وهو يحدجها بنظرة فاحصة:
_أتخنقتوا ولا إيه؟
هزت غرام رأسها نفيًا، ثم فجرت ما يعتمل في صدرها، وهي تهتف:
_جه عشان يطلقني، ويقول ليَّ إنه هيخطب بكرا!
حملق والدها فيها بصدمة وتقهقر للوراء في هلع، وسأل في تأنٍ وهو يصيخُ السمع لإجابتها:
_أتخبلتي يا بت أنتِ، ولا إيه اللي بتقوليه ده؟! طلاق إيه وخطبة مين؟



