أخويا ومراته ٤ أماني السيد

ـ “يا مدام مروة.. بناءً على الفحص الدقيق، الحالة وصل لمرحلة التلف الكامل في الأنسجة العصبية والبصرية. من الدرجة الثالثة المتقدمة أكلت القرنية والشبكية، والتشوه في الوجه والرقبة أصلح غير قابل للإصلاح حتى بأحدث عمليات التجميل والترقيع. أي تدخل جراحي حالياً هيكون مجرد إهدار للمال ومخاطرة بحياته، والحالة محتاجة فقط رعاية تلطيفية ومسكنات يومية للسيطرة على الآلام.”

أول ما الدكتور قال الكلام ده، فالح انهار وبدأ يصرخ ويبكي بصوت يقطع القلب:

ـ “لااااا! يا دكتور أرجوك! اعملي أي عملية! خدو كليتي وادوني عيني! أنا مش عايز أعيش أعمى وضلمة كده!”

أنا دموعي نزلت، وبصيت لمروة وقلت لها بكسرة:

ـ “مفيش أمل خالص يا مروة؟ مفيش أي مستشفى برة مصر تقدر تعالجه؟”

مروة قامت من على الكرسي ببطء، وجت وقفت قدامنا. بصت لفالح المنهار على الكرسي، وبعدين بصتلي أنا.

طلعت من شنطتها تقرير ثاني مطبوع، وقالت بصوت هادي أبرد من الثلج:

ـ “أنا عارفة النتائج دي من قبل ما آجي يا سعاد.. أنا جيبتكم هنا وجبت أكبر دكاترة في مصر مش عشان أعالجه.. أنا جبتكم عشان أثبت بالتقرير الطبي الموثق إن فالح أصبح عاجزاً عجزاً كلياً مستديماً وغير قابل للشفاء.”

سألتها برعب:

ـ “وليه بتثبتي كده؟ عايزة إيه تاني؟”

ابتسمت مروة ابتسامة نصر قاتلة، وقالت للمحامي:

ـ “اقرأ عليهم القرار يا أستاذ رمزي.”

المحامي طلع أوراق رسمية مختومة بختم النسور وقرأ بصوت جاف:

ـ “بناءً على التقرير الطبي الموثق بعدم قابلية المريض فالح للشفاء وثبوت عجزه الكلي، أصدرت محكمة الأسرة حكماً نهائياً بتسديد جميع المستحقات والديون المتأخرة عليه لصالح موكلتي المدام مروة من أصل التركة، مع إلغاء كافة حقوقه في الإشراف على أي ممتلكات أو السكن الحُر، ونقله بصفة رسمية تحت الوصاية الكاملة لمؤسسة الرعاية، أو إبقائه في سكن الخدم التابع لملكية الوريث القاصر أحمد بشرط قيام القائمة بالرعاية (سعاد) بالتوقيع على عقد إقرار بالخدمة والرعاية الكاملة بدون أي مطالب مالية مستقبلاً!”

أنا بقيت بصة للمحامي وبصة لمروة مش فاهمة، أو بمعنى أصح.. مش عايزة أفهم حجم المصيبة.

مروة قربت مني، ومسكت التقرير ورمته في حجري، وقالتلي بصوت واطي يقطّع العرق:

ـ “فهمتي يا سعاد؟ التقرير ده بيقفل آخر باب أمل كان عندكم. أخوكِ مش هيرجع يصبر، ومش هيرجع يشوف، ومش هيرجع معاه جنيه واحد. أنتم دلوقتي بقيتم رسمي تحت إيداي بالقانون وبأوراق المحكمة. الـ ألفين جنيه اللي بديهالك كل شهر.. بقت هي أصل دخلك الوحيد في الدنيا دي كلها. هتفضلي تقعدي تحت رجليه، تنظفي قرفه، وتديه المسكنات عشان ما يصرخش، وتعيشي في الشقة اللي بقت ملك لابني أحمد، لحد ما واحد فيكم يروح لربنا!”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *