أخويا ومراته ٤ أماني السيد

سكن جسده فجأة، وأخرج نفساً طويلاً أخيراً، وانطفأت أنفاسه للأبد. مات فالح في تلك الضيقة المظلمة، مات أعمى، مشوهاً، لا حيلة له ولا مال، بعد أن أخذ عقابه كاملاً غير منقوص عن كل لحظة ظلمها لمروة ولكل من حوله.

عندما أدركت أنه فارق الحياة، لم أصرخ ولم ألطم. اتصلت بالشرطة وبالمحامي الأستاذ رمزي. وفي خلال ساع ممتلئة برجال الإسعاف والمباحث لإتمام إجراءات الدفن الطبيعية.

وفي الصباح، أُقيمت الجنازة. لم يمشِ فيها أحد من معارفه أو أصدقاء الماضي، ولا حتى هلا التي نسيها ونسيته منذ سنوات. كنت أسير خلف النعش وحدي بعبايتي السوداء المتهالكة. ولكن عند باب المقابر، توقفت سيارة سوداء فخمة.

نزل منها الشاب المهندس أحمد، ونزلت خلفه مروة. كانت ترتدي الثياب السوداء الشيك، وتقف بوقار وهيبة. لم تقترب مروة من النعش، بل وقفت على بعد خطوات تراقبه وهو تحت التراب.

بعد أن انتهى الدفن، جاء أحمد ووقف أمامي لثوانٍ. نظرت في وجهه، فرأيت ملامح فالح الشابة القديمة، لكن بعيون مروة ونظرتها الصارمة. لم يقل لي كلمة واحدة، بل وضع في إيدي مظروفاً أبيض، ثم التفت ومشى مع أمه وركبا السيارة وانطلقا.

فتحت المظروف وأنا أقف وسط المقابر في الشتاء؛ كان فيه عقد القديمة، ومعه ورقة رسمية ومبلغ مالي.

كتبت مروة في الورقة بخط يدها الأنيق:

“يا سعاد… مات فالح وانتهى حسابه في الدنيا، وأحمد ابني قرر يسيبلك دي تنازل رسمي تعيشي فيها اللي فاضل من عمرك، والمبلغ ده إكرامية مني ليكي… مش عشان بحبك ولا عشان سامحتك، بس عشان تبقي قاعدة في الشقة دي لوحدك، افتكري كل يوم لما تشوفي الأوضة الصالون والحيطان اللي كنتِ بتمسحيها، إن الظلم ليلته قصيرة، وإن السحر بيلف ويرجع على الساحر. عاشرتك خدامة بأجرك، وتسيبك دلوقتي خدامة لذكرياتك وذنبك.”

رجعت إلى الشقة المفردة الصامتة. فتحت الباب، فاستقبلتني ريحة المطهرات والكلور القديمة. جلست على الكنبة التي كنت أقعد عليها زمان وأنا ألقي لمروة الـ ١٥٠ جنيه وألزمها بالخدمة.

بصيت حوليا… الصالة فاضية، الأوضة الجوانية فاضية، والمكان كله بقى يسوده صمت مرعب. أدركت في تلك اللحظة أن عقابي الحقيقي لم يبدأ إلا الآن.

فالح مات واستراح من عذابه وجروحه، ومروة وأحمد عاشا في قمة العز والنجاح والعدل، أما أنا… فبقيت حية في هذا المظلم، أطوف بين جدرانه، أسمع صدى صريخ أخويا في الليل، وأرى طيف مروة وهي تمسح الأرضية بكسرة، وأتذكر كيف صنعت بيدي وبطمعي وبخبثي الذي التف حول رقبتي ورقبة أخويا.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *