أخويا ومراته ٤ أماني السيد

فالح كان قاعد يسمع الكلام وهو بيصرخ ويبص في الضلمة، بيحاول يمسك في هدوم مروة ويقول:
ـ “سامحيني يا مروة! اغفريلي يا أم أحمد! أنا آسف.. أنا كنت ندل وحقير! ارحميني يا مروة!”
مروة سحبت طرف عبايتها الفاخرة من إيده برفض وقرف، وقالت وهي بتبص له من فوق:
ـ “الرحمة راحت يوم ما سيبتني في الشارع وبخلت عليا وعلى ابنك باللقمة وأنت معاك ملايين.. اتهنى بالضلمة يا فالح، وأنتِ يا سعاد.. اتهني بشغل الشغالة اللي كنتِ عايزة تجيبيني أعمله عندك!”
سابتنا مروة وخرجت من المستشفى وهي مرفوعة الرأس، ومشي وراها المحامي والأطباء بيحيوها باحترام.
فضلت أنا وفالح قاعدين في القاعة الفاضية. هو بيصرخ ويبكي على الأرض، وأنا ماسكة التقرير الطبي والأوراق في إيدي، وببص للسقف النظيف الفخم بتاع المستشفى، وأنا عارفة إننا طالعين منه راجعين على مقبرتنا القديمة.. عشان أبدأ جولة جديدة من المسح والنظافة والخدمة.. في القصة اللي ما ليهاش نهاية!
مرت شهور وسنوات، والأيام بقت بتجري زي مية وسخة في قناة مسدودة. الأمل اللي كان بيلوح زمان إن في معجزة ممكن تحصل أو إن مروة قلبها يلين،
فالح بقى مجرد هيكل عظمي متغطي بجلد مشوه ، الحركة عنده تقريباً، ومفاصل إيديه ورجليه اتيبست في وضعية انحناء مرعبة. صوته اللي كان زمان يصرخ ويهز البيت، اتمحى وبقى عبارة عن حشرجة ضعيفة يادوب بتتسمع لما أقرب ودني من بقه. والذاكرة عنده بدأت تتآكل؛ بقى ينسى الأسماء، ينسى إننا في القاهرة، ينسى إن هلا سابته وهربت من سنين، وكان يصحى في نص الليل يصرخ بصوت مخنوق ويسألني: “يا سعاد.. هي هلا اتأخرت في الكوافير ليه؟ قولي للسواق يجهز العربية عشان نلحق العشا في شرم!”
أنا كنت بمسح دموعي الناشفة، وأبص له بنظرة مفيهاش غير المرار، وأرد عليه ببرود: “نام يا فالح.. هلا راحت، والعربية اتباعت، والشرم بقت بعيدة أوي علينا.”
أما أنا، فجسدي ابتدى يخونني. ضهري اللي انحنى من كتر شيل فالح ومسح البلاط وجلي المواعين، بقى يوجعني بوجع دائم مش بيروح حتى وأنا نايمة. إديا اتهرت من المية والكلور، وظوافري اتقطعت وتكسرت، وبشرة وشي انكمشت وشابت قبل الأوان. بقيت لما أبص في المراية المكسورة في الحمام، ما أعرفش الست اللي واقفة قدامي.. هل دي سعاد؟ ولا دي النسخة الجديدة من مروة زمان؟ بل بالعكس، مروة زمان كان عندها أمل، لكن أنا ما بقاش عندي أي حاجة أنتظرها غير الموت.





