أخويا ومراته ٤ أماني السيد

وفي الموعد المحدد لحفل التخرج، أنا ما قدرتش أقاوم الفضول والغل اللي كان بياكل في قلبي. سبت فالح نايم بعد ما اديته جرعة مسكن قوية، ولبست عبايتي القديمة وطرحتي، ورحت عند مقر الجامعة من برة.

وقفت ورا السور الحديدي العالي، وسط الشجر، مستخبية زي الحرامية، بتفرج على العربيات الفاخرة وهي داخلة وخارجة، والطلاب والطالبات بالروب الأسود وقبعات التخرج.

وفجأة.. شفتهم!

نزل أحمد من عربية مرسيدس بيضاء أحدث موديل. كان طالع زي الفلك، طول بعرض، وشه ينضح بالذكاء والجمال والهيبة، لابس روب التخرج وماسك في إيده شهادة تقدير.

ومن الباب التاني للعربية.. نزلت مروة!

مروة كانت ساحرة. لابسة فستان فاخر بلون الزمرد الأخضر، وحجاب حرير أبيض، والمجوهرات بتلمع على رقبتها وإيديها. كانت ماشية مرفوعة الرأس، والابتسامة مالية وشها، وكل الناس ورجال الأعمال والعمداء بالجامعة بيسلموا عليها ويحيوها باحترام شديد كأم مثالية ورائدة أعمال ناجحة.

أحمد قرب من أمه مروة، وحضنها قدام كل الناس، ووطى على إيدها باسها، وأخد قبعة التخرج بتاعته وحطها على رأسها وهو بيبكي من الفرحة ويقول بصوت عالي مسموع:

ـ “الشهادة دي مش ليا يا أمي.. الشهادة دي ليكي أنتِ! أنتِ اللي تعبتِ، أنتِ اللي شقتي، وأنتِ اللي صنعتيني من العدم لما أقرب الناس لينا رمانا في الشارع!”

الناس كلها قعدت تسقف وتصفق بحرارة، ومروة كانت بتاخد الحضن وعينيها بتلمع بفخر وعز لا يوصف.

أنا كنت واقفة ورا السور، بدمع وبشهق بالبكاء ورا الشجرة. كنت بشوف المشهد ده وأفتكر يوم ما مروة كانت بتيجي عندي الشقة، تبكي وتطاطي رأسها عشان تاخد الـ ١٥٠ جنيه، وأنا أقولها “المفروض تخدميني ببلاش”. دلوقتي مروة بقت هي المَلكة، وابنها بقى الأمير، وأنا وأخويا بقينا القمامة اللي اترمت في مزبلة التاريخ!

التفتت مروة فجأة ناحية السور.. كأنها حست بوجودي، أو كأن عين الشر والغل اللي طالعة مني لمستها.

بصت ناحية الشجرة اللي أنا مستخبية وراها. شافتنِي!

ما ارتبكتش، ولا خبت وشها. وقفت مكانها، وابتسمتلي نفس الابتسامة الباردة الشاحبة بتاعة ليلة الفيلا. رفعت كاس العصير اللي كان في إيدها في الهواء ناحيتي، كأنها بتمسيني، كأنها بتقولي: “شفتي يا سعاد؟ شفتي العدل لما يكتمل؟”

وبعدين التفتت لابنها أحمد، وأخدته من إيده ودخلوا القاعة الكبيرة للجامعة، والأبواب المذهبة اتقفلت وراهم، وسابوني واقفة برة في البرد والشارع، زئير السيارات بياكل في صدري.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *