أخويا ومراته ٤ أماني السيد

رجعت الشقة وأنا مش حاسة برجليا. فتحت الباب، لقيت ريحتها جير ومطهرات ودم ميت. فالح كان صحي من المسكن، وقاعد على الأرض بيحاول يزحف ناحية المطبخ عشان يدور على مية، وكوباية الماستك اتكسرت تحت إيديه والدم كان ينزل من صوابعه.
قعدت على الأرض جنبه، وما حاولتلكش أنظف الدم ولا أرفعه.
فالح رفع وشه الأعمى وقال بصوت مرعوب:
ـ “سعاد؟ أنتِ جيتي؟ أحمد اتخرج يا سعاد؟ قال إيه عني؟ سأل عليا؟”
بصيتله بأعطس ونظرة ميتة، وقلتله بصوت أبرد من برودة الشارع:
ـ “أحمد اتخرج يا فالح.. بقى مهندس أقد الدنيا. وقال قدام مصر كلها إن أمه مروة هي اللي عملته، وإن أبوه كان مجرد كابوس وانتهى.. أحمد حط القبعة على رأس مروة وقالها ‘أنتِ ملكتي’.”
فالح حط وشه في الدم اللي على البلاط، وبدأ يصرخ صريخ مكتوم، يضرب جبهته المحروقة في الأرضية المكسورة، وبيستغيث بالمرض والموت عشان يريحه من الوجع.
أنا قمت ببطء، جابت الجردل والممسحة، ودلقت المية والكلور على البلاط حوليه، وبدأت أمسح.. أمسح الدم، وأمسح القرف، وأمسح البكاء بتاعه، وأنا عارفة إن الجزء الأخير من حياتنا قرب يتقفل.. بس النهاية مش هتكون رحمة، النهاية هتكون الحساب الأخير اللي كلنا هنشهده!
مرت سنتان إضافيتان، ووصلت رحلة العذاب إلى محطتها الأخيرة، المحطة التي لم يكن فيها مكان لأي أمل، بل كان الجحيم فيها يكتمل في صوره.
في تلك الأيام، كان فالح قد فقد كل مقومات الحياة البشريّة. لم يعد يزحف، ولم يعد يملك حتى القدرة على الحشرجة أو البكاء. جسده المنهك تيبّس بالكامل، والقروح أكلت ما تبقى من جلده حتى وصلت إلى العظام. كان يرقد على تلك المرتبة المفعوصة في الأوضة الجوانية، كأنه هامدة ترفض الروح أن تفارقها إلا بعد أن تستوفي آخر قطرة من العذاب.
وفي ليلة شتاء شديدة البرودة، وبينما كانت الرياح نوافذ المكسورة، سمعت صوته يخرج كأنه ينبعث من قاع بئر عميق. كان ينادي باسمي بنبرة خافتة للغاية. دخلت عليه الغرفة، ورأيت عينيه المنطفئتين متثبتتين نحو السقف الضلمة.
رمس بصوت ميت وقال: “سعاد… أنا شايف نور… شايف مروة واقفة بعيد ومسكة إيد أحمد… قولي لها تسامحني يا سعاد… قولي لها تخرجني من الضلمة دي…”
جلست على الأرض بجانبه، ولم أعد أشعر بأي غل أو شفقة؛ كان قلبي قد تحجر تماماً. مسكت إيده الباردة المشوهة، وقلت له بصوت خافض: “المسامحة مش هنا يا فالح… المحكمة اتقفلت في الدنيا، وفاضل محكمة السماء.”




