محل بقالة ٢
أماني السيد

فتحت، وكان واقف قدامي بشنطة سفره وشكله شاحب ومجهد، باين على وشه التعب وكسرة النفس. بصلي بعين كلها رجاء وقال بصوت واطي: “مساء الخير يا أم العيال.. هنتعاتب و…”
بعد المكالمة دي بأسبوعين اتنين، لقيت الباب بيخبط وأنا في شقتي بحضر عشا للعيال. فتحت، وكان واقف قدامي بشنطة سفره وشكله شاحب ومجهد، باين على وشه التعب وكسرة النفس. بصلي بعين كلها رجاء وقال بصوت واطي: “مساء الخير يا أم العيال.. هنتعاتب وإحنا على الباب ولا هتدخليني أشوف ولادي؟” وسعتله السكة من غير ولا كلمة، العيال جريوا عليه وحضنوه، بس أنا دخلت المطبخ وفضلت واقفة مكاني، مدياله ضهري ومفرقتش معايا نظرات اللهفة اللي كان بيبصهالي.
حاول يقرب، يتكلم، يبرر ويقول إنه كان مضغوط وغربته كانت خنقاه وكلام أمه عماه، بس كل ده كان بينزل على قلبي زي الهوا، مكنتش برد غير بكلمة واحدة: “كلامك ده كله كان ينفع زمان، دلوقتي إنت ملكش كلمة عليا، العيال شبعوا من شوفتك؟ تقدر تنزل تقعد تحت عند أمك.” نزل وهو حاسس إن الجبل اللي كان بيستند عليه اتهد، وعرف إن الزعيق والتهديد مش هيجيبوا مع واحدة اتعلمت تدير حياتها وتاكل عيشها بدراعها. الأيام اللي بعدها كانت عبارة عن محاولات متواصلة منه؛
يجي المحل يقف بعيد يستنى لما الزباين تمشي، يدخل يحط مصروف العيال بزيادة، يحاول يفتح كلام أو يمد إيده يساعدني في رص بضاعة، وكنت أرفض ببرود وأقوله: “شغلي وأنا حرة فيه، حط فلوس عيالك واتفضل.” جاب كبار عيلته وأصحابه، وكلهم يقولوا: “الراجل رجع ندمان وعايزك، فكيها بقى.” كنت أرد بكلمة واحدة وثابتة: “البيت ده مش هدخله كزوجة تاني، اللي يدخل بيت يتهان فيه ويتحرم من عيشه ميرجعلوش برجليه، وأنا أهلي مربونيش على إني أعيش مذلولة تحت سقف أمه وإخواته.
” جمال فهم الرسالة كويس، وعرف إن كلام زمان والوعود الشفهية مش هتدخل عليا، وإن الحل الوحيد عشان يلم شمل بيته هو إنه يغير قواعد اللعبة كلها من الجذور. غاب تلات أيام ومظهرش، وبعدها جه على المحل، بس المرة دي مكنش داخل بإيد فاضية، طلع من جيبه عقد وعلقه قدامي على البنك ومعاه سلسلة مفاتيح جديدة، وقال بنبرة مفيهاش أي غرور: “شقة جديدة، في عمارة بعيدة عن هنا بتلت شوارع، تمليك، ومكتوبة باسمك إنتي وعيالك.





