حكايات مني السيد حصري حمايا كل يوم بعد صلاة العشاء يقطع عني الكهرباء... وأنا وولادي بنقضي الليل في الضلمة! أنا نادين، متجوزة بقالي أربع سنين وعايشة في بيت عيلة في الدور التالت. جوزي مسافر شقيان في الغربة عشان يلم قرشين نأمن بيهم مستقبلنا، ومن يوم ما سافر وسابني مع أهله في نفس العمارة، وأنا حاسة بضغط كبير، بس مكنتش أتخيل أبدًا إن الأذى يوصل للدرجة دي. معايا طفلين؛ يونس عنده تلات سنين، وكرمة يدوب كملت سنة. أي حد عنده أطفال في السن ده عارف يعني إيه نومهم يتقلب، بنام ساعتين تلاتة بالنهار وبنصحى طول الليل. ده غير إننا في الدور التالت، والمايه مبتطلعش غير بالماتور، وعشان أغير حفاضة، أو أحضر رضعة، أو حتى أشطف عيل في عز الصيف، لازم الماتور يشتغل. الحكاية بدأت من أسبوعين. كل يوم، مع أذان العشا، وفجأة، الشقة تغرق في ضلمة كحل. التكييف يقف، المراوح تسكت، والحر يخنق الحيطان. الماتور يفصل، وطبعًا نقطة مايه مفيش. أسبوعين كاملين وأنا فاكرة إن ده تخفيف أحمال أو عطل في كابل العمارة. يونس يصرخ من الفزع والضلمة، وكرمة تعرق وتعيط لحد ما نفسها يتقطع وأنا أهوي عليهم بكرتونة لحد ما الفجر يطلع، وريقي ناشف. سألت سلفتي شيرين، اللي ساكنة في الدور التاني تحتي على طول هو النور بيقطع عندكم أنتم كمان بعد العشا؟ ردت ببرود وهي بتبصلي بطرف عينها لا يا نادين، الكهربا مبتقطعش عندنا خالص، شوفي الشقة عندك يمكن الحمل زيادة ولا مفتاح الشقة بيهبط. شكيت في نفسي، وشكيت في العداد، لحد ما جه اليوم المشؤوم. الساعة كانت تسعة ونص بالليل، والحر لا يطاق، وكرمة مبتبطّلش صريخ من المغص. النور قاطع كالعادة من بعد العشا، ومفيش نقطة مايه في الشقة عشان أعملها الرضعة. قررت أنزل بالعيال للصيدلية أجيب علاج للمغص وشمع. فتحت باب شقتي ببطء، وبمجرد ما حطيت رجلي على أول درجة في السلم، اتصدمت. نور السلم شغال، واللمبة اللي قدام باب شقة سلفتي شيرين منورة ومولعة عمى! حتى صوت التلفزيون والتكييف من ورا بابها كان عالي وواضح. نزلت درجة كمان وسمعت صوت ضحكتها مع حمايا، الحاج فضل، طالع من جوة شقتها. وقفت متخشبة مكاني.. يعني إيه؟ النور مش قاطع في العمارة؟ ليه شقتي أنا بس اللي مفصولة؟! نزلت جري على تحت ونبضي بيضرب في نافوخي. رحت على لوحة المفاتيح والعدادات اللي تحت بير السلم في مدخل البيت. بصيت على اللوحة، ولقيت المفتاح العمومي الخاص بشقتي وبالماتور بتاعي.. نازل لتحت، مفصول بإيد بني آدم! في اللحظة دي بالظبط، باب شقة شيرين اتفتح، وخرج حمايا وهو لابس جلابيته وماسك سبحته، وشيرين وراه بتبتسم بخبث. بصيت له بصدمة، ورفعت المفتاح بإيدي وقولت ليه يا حج؟ ليه بتعمل فيا كده؟ حضرتك اللي بتنزل المفتاح بإيدك؟ سايبني أنا وعيال ابنك في الضلمة والحر ومفيش نقطة مايه بقالنا أسبوعين؟! حمايا حتى مرفة لوشه رمش، ولا حاول ينكر. بصلي بجمود وقال بصوت حاد أيوة أنا اللي بنزله كل يوم بعد ما أرجع من الجامع! ! حمايا حتى مرفة لوشه رمش، ولا حاول ينكر. بصلي بجمود وقال بصوت حاد أيوة أنا اللي بنزله كل يوم بعد ما أرجع من الجامع! عشان تناموا زي الناس وماتقلقوش العمارة! الست شيرين مش عارفة تنام من جري عيالك وصريخهم طول الليل، والماتور بتاعك بيزعجنا كل شوية وصوته بيهز البيت. ما دام مش عارفة تلمي عيالك، يبقى الضلمة تلمك إنتي وهم! سلفتي هي اللي سخنته عشان تنكد عليا، وهو مفكرش في عيال ابنه المسافر! بصيت له وقولت بحدة ده عيال ابنك يا حج! طارق لو عرف باللي بتعمله فينا وإنه مسافر وسايب وراه ناس بتعذبنا كده، أقسم بالله ما هيسكت وهييجي ياخدنا في شقة برة فورًا! حمايا ضحك باستهزاء وقرب مني خطوة، وفي عينه نظرة غريبة وباردة خلت الدم يتجمد في عروقي، وقال بهمس طارق؟ وريني هتقولي له إيه لما يسمع التسجيل اللي معايا، ويعرف الباب اللي بيتفتح عليكي في الضلمة دي بيخرج منه مين! الجملة نزلت على دماغي زي جردل مية متلجة، لأ.. مية نار كوت صدري وحرقت روحي في ثانية. وقفت متيبسة في مكاني على بسطة السلم بين الدور التاني والأول، كشاف الموبايل كان بيرتعش في إيدي والضوء بتاعه عمال يروح وييجي على وش حمايا، اللي كان باصصلي بعيون باردة مفيهاش ذرة رحمة، كأنه بيتفرج على نملة داس عليها ومش فارق معاه. وشيرين وراه، واقفة ومسندة كتفها على حلق باب شقتها، حاطة إيد في وسطها وعلى وشها ابتسامة شامتة تفرس، ابتسامة حد كان بيجهز لمصيبة وشايفها بتفرقع قدام عينه بنجاح. تسجيل إيه؟! وباب مين اللي بيتفتح عليا؟! إنت بتقول إيه يا راجل إنت؟! الصوت خرج من زوري مبحوح، متلخبط بين الغضب والذهول والخوف. أصل الخوف لما يدخل في شرف الست بيبقى عامل زي السكاكين، مش عشان هي عاملة حاجة، لأ، عشان عارفة إن السمعة في بيوت العيلة دي زي ورقة السلوفان، كلمة واحدة من راجل كبير كفيلة تحرقها ومحدش هيسأل عن الدليل. حمايا مط شفايفه ببرود، وحرك خرزات سبحته كأنه بيذكر ربنا في نفس اللحظة اللي بينهش فيها في لحمي، وقال بصوت واطي بس حاد زي الشفرة حسك عينك صوتك يعلى في البيت ده طول ما جوزك مش هنا. إنتي فاكرة إني مش واخد بالي؟ فاكرة إن البيت ده مفيهوش كبير؟ كل يوم النور يتقطع من هنا، والاقي خيال طالع على السلم عندك من هنا. وأهو كل حاجة متسجلة، ووريني بقى طارق لما يسمع ويشوف هيصدق أبوه ولا هيصدق واحدة قالعة حياها، سارحة بالعيال طول الليل ونايمة بالنهار! شيرين اتدخلت بمياعة وخبث، صوتها كان ناعم ومسموم يا نادين يا حبيبتي، إحنا خايفين عليكي والله.. بس يعني إنتي شايفة، لا راجل معاكي ولا حد حاميكي، وبتقولي النور بيقطع، طب العيال يعيطوا، نقول ماشي عيال، لكن تفتحي بابك وتدخلي وتخرجي في الضلمة دي؟ أنا بقفل الباب بالترباس والمفتاح من أول ما النور بيقطع، وبقعد احضن عيالي وأهوي عليهم بكرتونة لحد ما الفجر يشقشق! إنتوا إيه.. إنتوا معندكمش رحمة؟ معندكمش نخوة تتقوا الله في لحم ابنكم اللي متغرب عشانكم وعشان مصاريفكم؟! حمايا خبط عكازه في الأرض خبطة رنت في مدخل العمارة كله اخرسي خالص واطلعي شقتك! المفتاح هينزل كل يوم بعد العشا، ونفس مش عايز اسمعه. ولو حسك رن في ودن طارق بكلمة، التسجيل ده هيكون عنده قبل ما تكملي جملتك، واخليه يطلقك ويرميكي في الشارع بشنطة هدومك، والعيال دول ييجوا يتربوا هنا تحت رجلي، بعيد عن أمهم اللي مش عارفة تصون غيبته! الكلام كان كتير عليا.. كتير أوي على واحدة أعصابها هرياها قلة النوم، وجسمها مهدود من خدمة طفلين صغيرين لوحدها، ودماغها مشوشة من الحر والعطش. مكنتش قادرة أقف على رجلي. بصيت ليهم، لقيتهم شبه الذئاب اللي اتفقت على فريسة. حسيت إن الكلام معاهم دلوقتي هيضيعني، لو صوتي علي زيادة حمايا ممكن يمد إيده، وساعتها مفيش حد هينجدني، العمارة كلها بتاعتهم، ومحدش غريب ساكن معانا. لفيت ضهري، ورجعت أطلع السلم ودموعي نازلة زي الشلال بدون صوت. كل خطوة كانت كأنها جبل فوق ضهري. طلعت الدور التالت، دخلت الشقة، وقفلت الباب بالترباس، وسندت ضهري على الخشب واتزحلقت على الأرض وقعدت أعيط بحرقة. الشقة كانت كتمة، ريحة العرق مع كتمة الجدران مع ضلمة عمياء مفيهاش غير نور شاشة الموبايل اللي كان قرب يفصل شحن.. بطاريته كانت ١٨٪. صوت عياط كرمة بنتي فوقني. البنت كانت بتشهق من كتر البكاء، وشها كان دافي وجسمها ملزق من الحر، ويونس نايم على الأرض في الصالة هربان من سخونة السرير، بيتقلب ويفرك في وشه وهو نايم. قومت زي المجنونة، دورت على إزازة المية المعدنية اللي كنت مخبياها في التلاجة، لقيتها سخنت وبقت دافية. بليت طرف فوطة ومسحت وش كرمة وجسمها، رضعتها وأنا بهزها ورجلي بتترعش. عقلي مكنش مبطل تفكير.. إيه موضوع التسجيل ده؟ وتسجيل لإيه بالظبط؟ أنا طول عمري في حالي، من يوم ما طارق سافر السعودية قبل سنة ونص وأنا علاقتي بالدنيا اتقطعت. يدوب بنزل يوم الجمعة الصبح بدري اشتري خضار الأسبوع وأرجع، ومبكلمش حد في الشارع غير البقال اللي على ناصية الحارة لما بطلب منه طلبات في التليفون. وحتى السطوح مبطلعوش! مين اللي بيطلع عندي؟ وإيه حكاية الخيال اللي حمايا بيتكلم عنه؟ ! فجأة، افتكرت حاجة قلبي اتقبض منها. من أسبوعين، يعني بالظبط من أول ما بدأ حوار قطع النور ده.. كنت كذا مرة وأنا قاعدة في الضلمة، سامعة صوت تزييق درجات السلم الخشب اللي طالع للسطوح فوقيا. العمارة أربع ادوار، التالت بتاعي، والرابع شقة مقفولة لسه على الطوب الأحمر بتاعت أخو جوزي الصغير اللي في الجيش، وبعدها السطوح. كنت بقول لنفسي دي قطط، أو يمكن الهوا بيهز باب السطوح. بس هل يعقل إن حد كان بيطلع فوق؟ اترعبت.. لو بعت الرسالة دي وطارق اتصل بأبوه، حمايا هيقلب الترابيزة في ثانية، وهيقول له شفت مراتك بتتبلى عليا إزاي؟ وهيبعت له التسجيل أياً كان إيه هو، وطارق هناك على بعد آلاف الكيلومترات، الشك هيقتله والوسواس هيعمي عينه، وأنا هنا لوحدي، معنديش سند ولا أهل في القاهرة، أهلي كلهم في طنطا، وأمي ست مريضة سكر وقلب، لو سمعت كلمة زي دي ممكن تروح فيها. مسحت الرسالة.. مسحتها ودموعي بتنزل على الشاشة. قضيت الليلة دي أطول ليلة في عمري. كنت قاعدة على كرسي جنب الباب، ماسكة سكينة المطبخ الصغيرة في إيدي اليمين، والموبايل في إيدي الشمال. كل ما حركة الهوا تحرك ستارة، أو أسمع طقة في خشب الباب، قلبي يقع في رجلي. الحر كان بيخنق، بس الرعب كان مخليني متلجة، أسناني بتخبط في بعض. مع أذان الفجر، سمعت صوت تك من تحت.. الكهربا رجعت فجأة! المروحة لفت، والتلاجة اشتغلت بصوتها المألوف، والماتور اشتغل وسمعت صوت المية وهي بتجري في المواسير. حمايا رجع الكهربا مع خروجه لصلاة الفجر في الجامع، عشان لما الناس تصحى في العمارة ميبانش إن في حاجة غير طبيعية. جريت على المطبخ مليت الجرادل والحلل وكل إزازة فاضية، وشطفت كرمة وغيرت ليونس، ودخلت نمت جنبهم من التعب والانهيار العصبي، صحيت الساعة اتناشر الضهر على رنة التليفون. كان طارق. أول ما شوفت اسمه، قلبي دق بعنف. بلعت ريقي وحاولت أظبط صوتي عشان ميبانش إني كنت بعيط ألو.. صباح الخير يا طارق. جه صوته من الناحية التانية، بس مكنش دافي زي العادة، كان تقيل وناشف صباح النور يا نادين. . إنتي كويسة؟ الحمد لله يا حبيبي، إنت عامل إيه؟ شغلك تمام؟ سكت ثواني.. ثواني مرت عليا زي سنين، وبعدين قال أنا كلمت الحج الصبح بعد الفجر عشان أطمن عليه.. لقيته صوته تعبان ومضايق. ريقي نشف، وقولت بحذر ماله؟ خير فيه حاجة؟ طارق اتنهد تنهيدة طويلة وقال بيقولي إنه مبقاش قادر على وجع الدماغ، وإن العيال تحت بيزنوا ويصرخوا طول الليل ومطيرين النوم من عينه، وإنك مش عارفة تسيطري عليهم.. حتى شيرين بتقوله إنها بتصحى مفزوعة من خبط الماتور ورزع البيبان فوق. الدم غلى في عروقي، بس تماسكت وقولت يا طارق، العيال صغيرين وإنت عارف كرمة بتسنن، وبعدين الماتور صوته عادي، شيرين هي اللي بتتحجج عشان هي بتكرهني من يوم ما اتجوزنا، وإنت عارف كده كويس! رد عليا بصوت علي فجأة وبان فيه العصبية نادين! متدخليش شيرين في جملة مفيدة، أنا بتكلم عن أبويا! الراجل راجل كبير وصحته متستحملش السهر والدوشة! إنتي ليه مبتعرفيش تلمي العيال وتنامي بيهم بدري زي بقية خلق الله؟ بتفضلي صاحية طول الليل ليه أصلاً؟ إنتي قاعدة لوحدك في الدور التالت، المفروض من المغرب تكوني قافلة بابك ونايمة عشان متحطيش نفسك في شبهات وتوجعي دماغ أبويا! الكلمة وجعتني في مقتل.. متحطيش نفسك في شبهات؟! شبهات إيه يا طارق؟! هو أبوك قالك حاجة تانية؟! سألته وأنا حاسة إن الهوا بيتسحب مني. طارق تردد، وقال بنبرة مريبة مقالش حاجة واضحة.. بس قالي كلمه فهمت منها إن تصرفاتك مبقتش مريحة، وإن البيت له حرمته وسيرته اللي مبيرضاش حد يمسها. قالي خليها تفضل في شقتها ومتقعدش تتحرك كتير في العمارة، ولما سألته قصده إيه، قالي اسألها هي. طارق اتنهد تنهيدة طويلة وقال بيقولي إنه مبقاش قادر على وجع الدماغ، وإن العيال تحت بيزنوا ويصرخوا طول الليل ومطيرين النوم من عينه، وإنك مش عارفة تسيطري عليهم.. حتى شيرين بتقوله إنها بتصحى مفزوعة من خبط الماتور ورزع البيبان فوق. الدم غلى في عروقي، بس تماسكت وقولت يا طارق، العيال صغيرين وإنت عارف كرمة بتسنن، وبعدين الماتور صوته عادي، شيرين هي اللي بتتحجج عشان هي بتكرهني من يوم ما اتجوزنا، وإنت عارف كده كويس! رد عليا بصوت علي فجأة وبان فيه العصبية نادين! متدخليش شيرين في جملة مفيدة، أنا بتكلم عن أبويا! الراجل راجل كبير وصحته متستحملش السهر والدوشة! إنتي ليه مبتعرفيش تلمي العيال وتنامي بيهم بدري زي بقية خلق الله؟ بتفضلي صاحية طول الليل ليه أصلاً؟ إنتي قاعدة لوحدك في الدور التالت، المفروض من المغرب تكوني قافلة بابك ونايمة عشان متحطيش نفسك في شبهات وتوجعي دماغ أبويا! الكلمة وجعتني في مقتل.. متحطيش نفسك في شبهات؟! شبهات إيه يا طارق؟! هو أبوك قالك حاجة تانية؟! سألته وأنا حاسة إن الهوا بيتسحب مني. طارق تردد، وقال بنبرة مريبة مقالش حاجة واضحة.. بس قالي كلمه فهمت منها إن تصرفاتك مبقتش مريحة، وإن البيت له حرمته وسيرته اللي مبيرضاش حد يمسها. قالي خليها تفضل في شقتها ومتقعدش تتحرك كتير في العمارة، ولما سألته قصده إيه، قالي اسألها هي.. ها يا نادين؟ قصد أبويا إيه بالكلام ده؟ فيه حاجة إنتي مخبياها عليا؟ مسكت أعصابي بالعافية، الدموع كانت هتنزل بس كتمتها أبوك مبيقولش حاجة واضحة يا طارق عشان هو ملوش حق في أي حاجة بيعملها! وعشان تعرف ابن مين البار، أبوك بيقطع عني وعن ولادك الكهربا كل يوم من بعد العشا لحد الفجر! أيوة، بينزل المفتاح من اللوحة العمومية عشان يعاقبني ويحبسني في الضلمة أنا وولادك في عز الحر والمية مقطوعة! هو قالك دي في المكالمة ولا نسي يقولها؟! الخط سكت تماماً. طارق فضل ساكت بتاع نص دقيقة، وبعدين ضحك ضحكة قصيرة من غير نفس، وقال إنتي اتجننتي يا نادين؟ أبويا؟ الحاج فضل اللي بيصلي الفرض بفرضه وعمره ما داس على طرف حد هيقطع عنك الكهربا بالنهار والليل؟! انتي بتألفي كلام عشان تطلعي نفسك مظلومة؟ هو قالي إن العداد عندك بيهبط عشان بتشغلي التكييف مع الماتور مع الغسالة، وهو نبهك كذا مرة وانتي بتعاندي! أنا؟! والله العظيم كداب! شيرين هي اللي.. قاطعني بزعيق خرم ودني نادين! لحد هنا والزمي حدودك! كلمة زيادة عن أبويا والله ما هتشوفي خير! أنا جاي إجازة بعد أسبوعين عشان في أمور كده لازم تتظبط وتتحط في نصابها.. والحد الأسبوعين دول ما يعدوا، حسك عينك أسمع إنك عملتي مشكلة مع أبويا أو مع شيرين ومرتضى أخويا لما ينزل من الشغل، سامعة؟ شيرين جوزها مرتضى، أخو طارق التاني، شغال في شركة مقاولات وبيسافر محافظات وييجي في الويك إند، ومعاهم بنتين، وشيرين طول عمرها عينها من شقة الدور التالت بتاعتي.. شقتي أكبر، وفيها بلكونة واسعة على الشارع الرئيسي، وشقتها هي على منور وشارع ضيق. كانت دايماً تقول في التجمعات والله حرام الشقة الكبيرة دي تبقى لنادين وعيالها وطارق مسافر أصلاً ومحدش بيستنفع بيها! هل ممكن الغيرة والحقد يوصلوها للدرجة دي؟ إنها تتبلاني في شرفي بالاتفاق مع حمايا؟! وحكاية التسجيل دي إيه؟! قعدت أفكر بعقل بارد، مسحت دموعي، وقولت لنفسي البكاء واللطم مش هينفعوكي يا نادين. . إنتي هنا لوحدك وفي معركة، لو استسلمتي هتدبحي إنتي وعيالك وسمعتك هتضيع. لازم أعرف إيه اللي بيحصل بالظبط. قومت، لبست إسدالي، ونزلت على السلم بهدوء من غير ما أعمل أي صوت. كنت حريصة إن رجلي متخبطش في الدرجات. نزلت للدور الأرضي، عند لوحة العدادات اللي تحت بير السلم. فتحت علبة الصاج بتاعت العدادات براحة. بصيت على المفاتيح.. مفتاح شقتي كان مرفوع، مكتوب عليه بالقلم الفلوماستر شقة ٣. وجنبه مفتاح تاني مكتوب عليه ماتور ٣. فجأة لاحظت حاجة غريبة جداً.. جنب لوحة الكهربا، في ركن بير السلم ورا شوية كراكيب وخشب قديم، كان فيه سلك أبيض رفيع طالع من فيشة صغيرة في الحيطة، وماشي ملاصق للوزرة بتاعة السلم، وطالع لفوق! نزلت على ركبي، وبدأت أتبع السلك بعيني وبصوابعي. السلك ماشي بدقة، متثبت بكلبسات بلاستيك صغيرة لونها نفس لون دهان الحيطة عشان ميبانش، طالع من مدخل البيت، معدي جنب شقة الحاج فضل في الأرضي، وطالع للدور التاني. . معدي من فوق باب شقة شيرين، ومكمل لفوق.. عندي في التالت! قلبي دق بسرعة جنونية. طلعت السلم خطوة خطوة وأنا ماشية ورا السلك. السلك معدي من جنب باب شقتي، ومكمل على السلم الخشب اللي طالع للسطوح! طلعت درجات السلم الخشب اللي بتزيق براحة، وبصيت فوق.. في زاوية السقف بين شقتي والدور الرابع الفاضي، كان السلك بينتهي عند علبة صغيرة سودا، متثبتة بمسامير في الحيطة وموجهة بالظبط على. . باب شقتي وعتبة السلم اللي قدامه! كاميرا! كاميرا صغيرة جداً، عدستها ميكروسكوبية، منورة لمبة زرقا خافتة مبتظهرش غير لو ركزت فيها أوي في الضلمة! رجعت خطوة لورا وخبطت في الحيطة، إيدي غطت بؤي عشان مطلعش صرخة. الكاميرا دي متوصلة بالنت أو بتسجل على كارت ميموري، ومحطوطة في مكان يكشف مين طالع ومين نازل من عندي، وبالذات. . باب شقتي! طب لو الكاميرا بتصور باب شقتي، حمايا ليه قال التسجيل اللي معايا، ويعرف الباب اللي بيتفتح عليكي في الضلمة دي بيخرج منه مين؟! أنا مبفتحش الباب أصلاً! إلا إذا.. إلا إذا كان فيه حد بيطلع فعلاً، أو حد بيتعمد يظهر في الكاميرا قدام بابي؟! عقلي كان هيتشل. نزلت شقتي بسرعة، قفلت الباب عليا وأنا برتعش. الموضوع مكنش مجرد مكيدة حما وسلفة غيرانين، ده فخ معمول بهندسة، فخ مدروس عشان يتدمر بيتي وتضيع سمعتي وتطرد في الشارع ويسيبوا طارق يطلقني غيابي وميقدرش حتى يدافع عني. مرتضى، حمايا، كان زمانه نايم نومة القيلولة، وشيرين بتكون مع عيالها تحت. أنا كان قدامي حلين يا إما استنى لحد العشا لما النور يقطع ويحصل اللي بيحصل وأنا محبوسة جوة مش فاهمة، يا إما أواجه الفخ ده بحاجة تكسره قبل ما يتقفل عليا. بس عشان أكسره، لازم أفهم مين الخيال اللي بيطلع على السلم ده؟ شيرين عندها أخ اسمه وائل، شاب صايع وعاطل وبتاع مخدرات، بييجي العمارة كتير يقعد مع أخته ومع حمايا بحجة إنه بيساعدهم في مشاوير أو يجيب طلبات. وائل ده بالذات كنت دايماً بحسه بيبصلي بنظرات مش مظبوطة لما بنتقابل صدفة على السلم، وكنت دايماً بتجنبه وبدخل شقتي بسرعة. هل وائل له يد في الموضوع؟ هل هما بيستغلوه عشان يطلع يوقف قدام بابي في الضلمة والكاميرا تصوره، فيبان إن فيه راجل طالع عندي بعد ما النور بيقطع؟! الفكرة لما خطرت في بالي خلت الدم ينسحب من وشي. لو هو ده السيناريو.. يبقى الكاميرا بتسجل وائل وهو بيطلع، وحمايا بيفصل النور عشان يحبك التمثيلية ويقول إننا بنستغل الضلمة، والتسجيل ده لو راح لطارق، حتى لو أنا مظهرتش فيه، مجرد وجود راجل غريب واقف قدام بابي في وقت متأخر والنور مقطوع كفيل إنه يدمرني ويدبحني من غير ما يسمع مني كلمة دفاع واحدة! بصيت على عيالي يونس وكرمة اللي كانوا بيلعبوا بمكعبات على سجادة الصالة في براءة تامة، مش فاهمين المصيبة اللي بتتدبر لأمهم. قولت لنفسي بصوت مسموع على جثتي.. والله على جثتي إنكم تلمسوا شعرة من سمعتي أو تاخدوا عيالي مني! خطرت في بالي فكرة، مجنونة ومحفوفة بالمخاطر، بس كانت طريقي الوحيد للنجاة. العمارة فيها راوتر نت واحد بتاع حمايا، وهو اللي موزع منه لشيرين وليا فوق بوصلة واخدينها منه. الكاميرا دي أكيد متوصلة على الراوتر ده أو بتسجل محلي. لكن الأهم من الكاميرا هو الإثبات الحقيقي للي بيحصل على السلم وقت قطع النور. الموبايل بتاعي شحنته لحد ١٠٠٪. وعندي موبايل قديم بتاع طارق كان سايبه هنا، كاميرته كويسة وبطاريته متغيرة جديدة. شحنته هو كمان للآخر. ودخلت المطبخ، جبت شريط لحام أسود عريض. روحت على باب الشقة، من جوة، وبصيت من العين السحرية.. العين السحرية كانت وسخة ومغبشة. فكيتها براحة، مسحتها ونضفتها وركبتها تاني بحيث تكون الرؤية واضحة كالشمس. ثبتت الموبايل القديم على حامل صغير، وحطيته على كرسي قصاد الباب بالظبط، وظبطت الكاميرا بتاعته بحيث تكون عدستها ملتصقة بالعين السحرية من جوة، ومغطية بالمشمع واللزق الأسود عشان ميبانش من برة أي وميض أو شاشة منورة. الموبايل ده هيسجل فيديو صوت وصورة لكل ملّي بيحصل قدام الباب برة على بسطة السلم، من غير ما حد يحس بيه. بس ده مش كفاية.. الموبايل ده هيسجل في الضلمة إزاي لو حمايا نزل المفتاح؟! العين السحرية في الضلمة الكحل مش هتشوف حاجة! قعدت ألف في الشقة زي الفرخة المذبوحة، أعمل إيه؟ أعمل إيه عشان أكسر الضلمة دي من غير ما يحسوا؟! وفجأة بصيت على كشاف الطوارئ الصغير اللي كنت شرياه ليونس بيلعب بيه، كشاف فيه سينسور حركة بيشتغل ببطاريات قلم! أعمل إيه عشان أكسر الضلمة دي من غير ما يحسوا؟! وفجأة بصيت على كشاف الطوارئ الصغير اللي كنت شرياه ليونس بيلعب بيه، كشاف فيه سينسور حركة بيشتغل ببطاريات قلم! كنت معلقاه في الطرقة بين الأوض عشان لو حد قام بالليل الحمام ينور لوحده. الكشاف ده بيشتغل على البطاريات، ملوش دعوة بكهربا حمايا ولا مفاتيحه! لو علقته برة، فوق عتبة الباب مباشرة، أي حركة هتحصل قدام الباب الكشاف هينور تلقائي وينور البسطة كلها، والكاميرا اللي ورا العين السحرية هتسجل كل تفصيلة بأعلى جودة! بس لو علقته برة، شيرين أو حمايا هيشوفوه وهيشيلوه قبل ما الخطة تنجح. لازم أتصرف بذكاء.. طلعت برة الشقة وبصيت فوق الباب. كان فيه ماسورة غاز طبيعي معدية بالعرض فوق حلوق الأبواب في العمارة كلها، وكان عليها طبقة تراب قديمة جداً ووراها مساحة ضيقة مدارية عن العين. جبت سلم صغير، وبأقصى درجات الهدوء، ثبتت الكشاف الصغير باللزق ورا ماسورة الغاز، بحيث يكون مستخبي تماماً، والعدسة بتاعته وزاوية السنسور باصة لتحت على عتبة الباب، ومتغطية بحتة كرتونة صغيرة مش مبينة غير فتحة قد عقلة الصباع. لو حد قرب من الباب على مسافة متر، الكشاف هيضرب لتحت زي السبوت، ويفضح المكان! نزلت وقفلت الباب، وبدأت أستعد. الساعة دخلت على سبعة المغرب. الأذان أذن، ودخلت صليت ودعيت بدموع قهر يارب إنت عالم بنيتي، وعالم إني محفظتش غير غيبة جوزي وشرفه، انصرني عليهم واكشف كيدهم في نحورهم. الساعة تمانية ونص. سمعت صوت رجلين حمايا طالع من الجامع.. صوته وهو بيكح في المدخل تحت، وبعدين صوت رزع باب شقته في الدور الأرضي. عشر دقايق بالظبط مرت.. وفجأة، تك! الشقة اتطفت بالكامل. المروحة هديت سرعتها لحد ما وقفت، التلاجة سكتت، والضلمة طبقت على صدري من تاني.