طلقة بائنة أماني السيد

. ولا قادر أسامح نفسي
وصلت المدرسة على المعاد.. وقفت قصاد الباب الفولاذي الكبير، مستني خروج المدرسين. أيدي كانت بتعرق ودقات قلبي بتدق زي الطبول. أول ما الباب اتفتح وخرجت، شفتها..كانت ماشية بثبات، لابسة دريس أسود راقي والطرحة متظبطة، وجهها صافي ورايق، ما فيش فيه أثر لعلامات الحزن ولا الهزيمة اللي سيبتها عليها يوم الطلاق.

كانت ماشية وبتتكلم بابتسامة هادية مع مدرسة زميلتها، ومتقلدة شنطتها بثقة. أول ما لمحتني، خطواتها ما اهتزتش.. وقفت مكانها وبصتلي بنظرة خالية تماماً من أي مشاعر.. لا كره، ولا غضب، ولا حتى اشتياق.. نظرة غريب بيشوف حد ما يعرفوش. قربت منها بخطوات سريعة وقولت بصوت محشرج:«فريدة.. أنا جيت عشان أقفل الصفحة القديمة ونرجع.. العيال محتاجيني، وأنا عرفت غايتي وعرفت غلطتي.»فريدة رفعت رأسها وقالت ببرود شديد هز كياني:«أهلاً يا أستاذ يوسف.. جايب معاك مين المرادي يزغرد لك؟ ولا جاي تتأكد بنفسك إن فريدة ما اتكسرتش؟

»بلعت ريقي بالعافية وقربت خطوة كمان وأنا بنزل من غروري لأول مرة:«أنا جيت لوحدي يا فريدة.. ما حدش يعرف إني هنا. أنا قطعت علاقتي بأمي وأخواتي، البيت بقى ضلمة من غيرك، والعيال وحشوني.. ارجعي معايا ونفتح صفحة جديدة، واشرطي اللي أنتِ عايزاه، مش هخلي مخلوق يتدخل بينا تاني.»ابتسمت ابتسامة هادية جداً، ابتسامة حد وصل لراحة النفس بعد عاصفة شديدة، وقالت:«تتوقع إني سيبت بيتي وأهلي ومدينتي وسافرت هنا عشان أشرط عليك شروط؟ يوسف.. أنت فاهم الموضوع غلط خالص. أنت فاكر إن المشكلة كانت في أمك ولا أخواتك؟

المشكلة كانت فيك أنت.. في طبعك، في هيبتك المز المزيفة اللي كنت بتدور عليها على حساب كرامتي، في الاستعلاء اللي كنت بتبصلي بيه وأنت بتعدل لياقة قميصك قدام المأذون.»مسكت أوراق كان في إيدها وشدت عليها، وكملت بصوت ثابت قاطع:«أنا ما هربتش منك.. أنا أنقذت نفسي وعيالي منك. النفقة بتنزل لي كل شهر بالقانون، وعيالك بيكبروا في بيئة نظيفة مفيهاش إهانة ولا شماتة.. وأبويا الراجل التعبان اللي كنت بتستقل بظروفه، قاعد في بيتي معزز مكرم وأنا اللي بشيله وبراعيه بعد ما أنت هُنّت عليه وعليا.

»دموعي اتجمعت في عيني للحيظة، حسيت بقلة حيلة عمري ما جربتها:«يعني إيه يا فريدة؟ هتهدمي كل حاجة؟ مش هتديني فرصة واحدة أصلح فيها اللي اتكسر؟»قربت هي خطوة واحدة، وبصت في عيني بثبات وقالت الكلمة اللي أنهت كل أمل جوايا:«اللي اتكسر ما كانش فازة يا يوسف عشان نلزقها.. اللي اتكسر كان ثقتي فيك كراجل وسند. والفرصة الوحيدة اللي كنت تستاهلها، أنت هدرتها يوم ما اخترت تكسرني قدام الشارع كله عشان ترضي غرورك.. الطلاق بقى بائن، وحكايتى معاك اتقفلت يوم ما خرجت من مكتب المأذون. عن إذنك عشان زمان العيال وأبويا مستنيين أرجع أعملهم الغدا.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *