طلقة بائنة أماني السيد

في الصالة كان صوت أمي وهو بيتردد في ودني زي المطرقة: «الست اللي ما توطيش وطيها قدام أهلك، ما تلزمناش يا يوسف.. ورّيها إنك الراجل، مش أنت اللي تمشي برأيها .. هى هتعمل ايه بعيلين لواحدها من غير راجل …اكسر عنيها وطلقها لحد ما تتعلم الادب كنت واقف وبظبط ساعة إيدي، ببصلها بجمود وهي قاعدة على كرسى الصالون، ساكتة تماماً.. اختها كانت واقفه وراها، وابوها الراجل العجوز قاعد قصادي ماسك عصايته بإيد بتترعش، ملامحه كانت كلها حسرة على بنته.
قربت منها بخطوات بطيئة، ودست ببطء على الأوراق اللي كانت مفروشة على الترابيزة.. أوراق طلاقنا. ابتسمت ابتسامة سخرية وقولت بصوت واطي بس مسموع للكل:«فاكرة لما قولتلك كلمة أهلي خط أحمر من اول يوم ؟ أديكي شايفة النهاية أهو.. أنتِ حتة مدرسة بسيطة، فاكرة إن شهادتك ولا شغلك هيعملوا ليكي قيمة قصادي؟ أنا اللي عملتلك قيمة يا فريدة.. ومن غيري أنتِ وأهلك مش هتعرفوا تمشوا خطوة واحدة في البلد دي. أبوها بصلى بأسى، وهز رأسه ببطء وقال بصوت هادي كسر حدة الموقف:«خلاص يا يوسف يا بني.. طالما قسيت للدرجة دي، ونسيت العيش والملح، يبقا الكلام مامنوش فايدة.
بنتي كانت صايناك، بس أنت اخترت تبيع.. ومفيش كرامة تتباع مرتين. رديت عليه بقلة صبر ورفعة حاجب:«وفر النصايح دي يا عم حاج.. المأذون مستنينا تحت في العربية، ومش فاضي للمناهدة كان هيجرا ايه لو سمعت كلام امى وراحت نضفت لاختى الشقه اختى دى تعتبر عمتها وخدمتها واجب .»فريدة ما نطقتش بحرف.. قامت ببطء شديد، مسحت دمعة كانت نازلة على خدها بظهر إيدها، وعدلت طرحتها بتأني.
ما بصتليش ولا بصت لأمي اللي كانت واقفة تبص لها بنصر وحقد.. المأذون كان قاعد في المكتب، وقّعت وبصمت بمنتهى البرود والغرور.. حاسس إني أخدت حقي، إني كسرت دماغها العالية اللي رفضت تتنازل لأهلي. المأذون بصلي وقال: «الطلاق ده بائن يا يوسف، راجع نفسك..»رديت بثقة: «ترجع لما تتعلم الأدب الأول وتعرف إن الله حق.»خرجنا من باب الشارع.. وهنا كانت المفاجأة.
أمي وأخواتي الكبار كانوا ماليين الشارع، واقفين يستنوا الخروج كأنه موكب نصر. أول ما الباب اتفتح، أمي طلعت زغرودة هزت الحارة، بصوا لمراتى قصدى طليقتى بشماته وهى تجاهلتهم ومشيت عشان مايشمتوش فيها اكتر من كدهلكن قبل ما تمشى وقفتها وقولتلها يوم ماتعرفى غلطتك كلمينى ووقت لما ترجعى تبقى عارف دورك ومسئوليتك وقتها ارجعك تانىإنما الدلع ده ماليش فيهوقتها ضحكت بسخريه وقالتلى ماتستعجلش بس خليك واثق إن مش انا اللى هرجعلك عدى أول أسبوعين، وكنت قاعد في الشقة اللي بقت فضية ومطفية، بس غروري كان يعميني..




