بنتي الوحيدة حكايات زهرة ١

رفع وكيل النيابة رأسه وبصلي بصة مليانة شفقة وحزن، وقال بصوت خفيض:

— يا أم ريهام… تقرير الطب الشرعي المبدئي وصل، وبلاغك كان في محله. بنتك الله يرحمها ما ماتتش بسكتة قلبية، التقرير أثبت وجود آثار خنق يدوي على الرقبة، وانسداد تام في المجاري الهوائية، بالإضافة للجلد والأنسجة اللي كانت تحت ضوافرها، وبتحليل الـ DNA المبدئي أثبتت إنها متطابقة مع العينات الأولية.

قلتله وأنا بعيط:

— فرحتها وحرمها مني… بس ليه؟! عملت له إيه؟ ده كان يبان بيحبها ويبوس التراب اللي تمشي عليه!

وكيل النيابة هز رأسه وقال:

— هنا المفاجأة الكبرى اللي كشفتها تحريات المباحث وتفتيش شقة الزوجية وفتح تليفونات المتهم…

سكت لحظة، وبص في الملف وكأنه مش مصدق الكلام مكتوب إزاي، وبعدين كمل:

— مروان مكانش مرتاح ماديًا زي ما فهمكم، ولا رجل أعمال ناجح ولا حاجة. مروان غرقان في ديون شيكات وإيصالات أمانة بملايين الجنيهات لشركاء وتجار خطرين، وكان على وشك السجن وتدمير حياته بالكامل. وقبل الفرح بأسبوعين بس، عمل وثيقة تأمين على حياة ريهام بمبلغ خيالي يغطي كل ديونه ويزيد، وثيقة تدفع للمستفيد — اللي هو هو — في حالة وفاة الزوجة في حادث أو بشكل مفاجئ!

الكلمات نزلت على دماغي زي المرزبة. أغمضت عيني والحلم يرجع يضرب في عقلي تاني… ريهام وهي جاية لي دبلانة، وحاضنة بطنها من الجوع، وبقها فاضي ما فيهوش ولا سن… الجوع في الحلم مكانش جوع أكل، ده كان جوع للأمان! والطعام اللي كان في إيدها ومش عارفة تأكله بأسنانها المفقودة، كان طمع الوحش اللي اتجوزته، اللي حرمها من حياتها وأسنانها اللي بتدافع بيها عشان يأكل هو من دمها ويقضي ديونه!

في الوقت ده، اتفتحت باب الغرفة ودخلوا مروان وهو متكلبش بالحديد، حارس من اليمين وحارس من الشمال. كان وشه شاحب زي الأموات، عينيه زي الزجاج المكسور، وإيده المعلمة بالخدوش المتغطية بالشاش بتترعش.

أول ما عيني جت في عينه، قمت وقفلت عليه الخطوة. كل حزن الدنيا اتحول لوحش جائع للقصاص جوايا. قربت منه، والحراس حاولوا يمسكوني بس وكيل النيابة أشار لهم يسيبوني.

خرجت من النيابة وأنا مش حاسة بالدنيا حواليا. الناس كانت بتعزيني وتبارك لي إن الحقيقة بانت، بس أنا ما كانش يهمني غير حاجة واحدة بس… ريهام.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *