فرصة تانية بقلم منى السيد

في تلك الليالي الهادئة، وسط صمت طنطا وصوت أنفاس يوسف الصغيرة، كنت أنظر إلى مريم وهي نائمة في غرفتها وبابها مفتوح جزئيًا، وأشعر بامتنان غامر لله. هذه الشقة الصغيرة، برغم أنني لم أكن أنام فيها بل كنت أعود ليلًا بسيارتي إلى القاهرة أو أنام على الأريكة في الصالة في أوقات التعب الشديد، كانت تبدو لي أكثر دفئًا وأمانًا من كل القصور.
كانت مريم تراقب كل هذا بصمت. تلاحظ الهالات السوداء التي بدأت تظهر تحت عيني بسبب قلة النوم والقيادة اليومية، وتلاحظ كيف أصبحت أتعامل بصبر وهدوء مع كل تفصيلة صغيرة. لم تعد تلك النبرة الحادة تظهر في صوتها، وحل محلها نوع من الود والتقدير الذي يزداد يومًا بعد يوم.

وفي يوم جمعة، بعد مرور شهرين كاملين على خروجهم من المستشفى، كان يوسف قد بدأ يسترد عافيته بشكل ملحوظ، وزاد وزنه وأصبحت عيناه الصغيرتان تلاحقاننا في الغرفة بذكاء وفضول.

كنت جالسًا على الأرض في الصالة، أركب بعض الألعاب الصغيرة التي اشتريتها له للمستقبل، وكانت طنط هدى قد خرجت لزيارة إحدى قريباتها في المدينة. خرجت مريم من المطبخ حاملة كوبين من الشاي بالنعناع، الرائحة الذكية فكرتني فجأة بلقائنا الأول في ذلك الكافيه الصغير.

وضعت الكوبين على المنضدة المنخفضة، وقعدت على الأرض بجواري، على غير عادتها حيث كانت دائمًا تجلس على الأريكة وتترك مسافة بيننا.

— “كريم.. كفاية شغل في الألعاب دي واشرب الشاي وهو سخن.” قالتها بنبرة صوت ناعمة، أعادت لي ذكريات سنواتنا الأولى معًا.

تركت ما في يدي، وأخذت الكوب ونظرت إليها. كانت ترتدي فستانًا منزليًا أنيقًا من صنع يديها، وشعرها كان منسدلاً على كتفيها، وبدت لي أجمل ست رأتها عيني في حياتي.

— “تسلم إيدك يا مريم.. الشاي بالنعناع منك ليه طعم تاني خالص.”

سكتت مريم قليلاً، وهي تقلب كوبها بملعقة صغيرة، ثم رفعت عينيها ونظرت في عيني مباشرة:

— “كريم.. إنت تعبت أوي الشهرين اللي فاتوا دول. السفر كل يوم، والشغل، وقعدتك مع يوسف بالليل.. أنا شفت كل حاجة ومقدرة كل خطوة عملتها.”

— “أنا متعبتش يا مريم.. أنا كنت بتولد من جديد. التعب الحقيقي كان الخمس شهور اللي عشتهم وأنا فاكر إني لوحدي وإني خسرتك. كل خطوة بعملها هنا هي اللي كانت بتديني طاقة أعيش وأشتغل تاني يوم.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *