فرصة تانية بقلم منى السيد

ابتسمت برقة وقالت وهي تتأمل وجهي:
— “أنا جيت أقعد معاك هنا عشان أقولك حاجة يا كريم.. حاجة بقالي فترة بفكر فيها.”
وضعت القلم من يدي وانتبهت لها تمامًا:
— “خير يا حبيبتي؟ اتكلمي.”
— “أنا عايزة أرجع أشتغل.. بس مش من البيت وبس. المشغل اللي كنت بتعامل معاه في طنطا، صاحبته فتحت فرع جديد هنا في القاهرة، وعرضت عليا أكون مديرة خط التصميم والإشراف على الإنتاج. الشغل مش هياخد من وقتي كتير، تلات أيام في الأسبوع وبساعات محددة.. بس أنا حاسة إني محتاجة الخطوة دي عشان أرجع أحس بكياني وبشغفي اللي كان مات زمان.”
نظرت إليها طويلاً. في الماضي، ربما كنت سأعترض أو أتحجج بأن يوسف لا يزال صغيرًا وأن بيتنا يحتاجها. لكن كريم الجديد كان يرى أمامه ستًا مفعمة بالحياة، ستًا قوية نجحت في أصعب اختبار عانته بمفردها، ومن حقها تمامًا أن تحلق وتنجح.
أمسكت يدها وقلت بنبرة مليئة بالفخر:
— “وأنا معاكي وجنبك يا مريم. تلات أيام في الأسبوع؟ اعتبري الأيام دي يوسف بتاعي أنا بالكامل. أنا هرتب مع مديري في الشغل إني أشتغل من البيت في الأيام دي، أو أخد إجازات رعاية. أنا عايز أشوفك ناجحة ومبسوطة، لأن بسطتك ونجاحك هما اللي هينوروا البيت ده.”
لمعت عيناها بدموع الامتنان، وقامت من مكانها لتطوق عنقي بحضن دافئ:
— “ربنا يخليك ليا يا كريم.. إنت بجد بقيت السند اللي كنت دايما بحلم بيه.”
دارت الأيام بسرعة، وأثبتنا سويًا أن الاتفاق والصراحة هما أساس أي نجاح. مريم بدأت شغلها الجديد وتألقت فيه، تصاميمها ولمساتها الفنية بدأت تأخذ صدى واسعًا، وكنت أنا مشجعها الأول، أحضر عروضها الصغيرة، وأفخر بها أمام الجميع. أما أنا، فقد حصلت على ترقية في عملي، لا لأنني كنت أعمل لساعات أطول، بل لأن سلامي النفسي واستقراري الأسري جعلاني أكثر إبداعًا وإنتاجية.
أما يوسف… فقد كان يكبر أمام عيوننا كالنبتة الصالحة. بدأ يخطو خطواته الأولى، يملأ الشقة ركضًا وشقاوة، وصوت ضحكاته كان الترياق الذي يمحو أي تعب أو إرهاق نمر به خلال اليوم.
وفي يوم عيد ميلاد يوسف الأول، قررنا أن نقيم حفلاً صغيرًا في حديقة بيتنا الجديد. جمعنا فيه كل الناس اللي بنحبهم؛ طنط هدى التي جاءت من طنطا محملة بالهدايا والحلويات، وندى صاحبة مريم التي كانت السبب في إنقاذ عائلتنا بوقفتها الشجاعة، وبعض الأصدقاء المقربين والزملاء.




