فرصة تانية بقلم منى السيد

ربتت على كتفي بحنان أمهات حقيقي وقالت:

— “يا ابني، أنا ميهمنيش في الدنيا دي كلها غير مريم ويوسف. يوم ما شوفتك بتشيل ابنك وتلف بيه في الصالة الفجر وإنت ميت من التعب، عرفت إن بنتي اختارت صح من الأول، بس الشيطان هو اللي كان دخل بينكم. سافروا بالسلامة يا كريم، وعينك على مرأتك وابنك، البيوت بتتبني بالصبر والمودة، مش بالفلوس ولا بالشغل.”

ركبنا السيارة، مريم بجواري في المقعد الأمامي، وجهها يفيض نضارة وراحة، والصغير يوسف في مقعده بالخلف، يغط في نوم عميق وكأنه يعلم أننا نتجه أخيرًا إلى مستقرنا النهائي. طوال الطريق الزراعي، كانت يدي اليمين تشبك أصابعها مع يد مريم اليسار. لم نكن بحاجة للكثير من الكلام؛ نظراتنا لبعض، والموسيقى الهادئة التي تملأ السيارة، وصوت أنفاس يوسف المنتظمة، كانت كلها لغة جديدة نتعلمها سويًا، لغة الرضا والسكوت الذي لا يحمل حزنًا بل يحمل أمانًا.

وصلنا شقتنا الجديدة في القاهرة، في حي هادئ يطل على مساحات خضراء، بعيدًا عن صخب وسط البلد وضغوطها. الشقة كانت واسعة، مشمسة، وفيها غرفة خاصة ليوسف ملأناها بالرسومات والألوان المبهجة.

مرت الأيام الأولى في بيتنا الجديد كأنها حلم. الروتين القاتل الذي كنت أعيشه بعد الطــ,لاق انهار تمامًا، وحل محله روتين ممتع ومليء بالحركة. أصبحت أستيقظ مبكرًا، لا لأهرب إلى العمل، بل لأساعد مريم في تحضير الرضعة ليوسف، أو لأحمله قليلاً حتى تستطيع هي شرب قهوتها الصباحية بهدوء. في الشغل، تغيرت طريقتي تمامًا؛ لم أعد الموظف الذي يدفن نفسه في المعاملات هربًا من فراغ بيته. أصبحت أنجز مهامي بدقة وسرعة، وفور أن تدق الساعة الرابعة، أجمع أشيائي وأغادر وأنا أشعر بلهفة غريبة، لهفة رجل يعرف أن هناك من ينتظره وراء الباب.

وفي مساء أحد الأيام، بعد أن أتم يوسف شهره الرابع وأصبح يضحك بصوت مسموع يملأ أركان الشقة فرحة، كنت جالسًا في غرفة المكتب الصغيرة التي خصصتها لي مريم في البيت. كنت أراجع بعض التقارير، ودخلت مريم حاملة صينية صغيرة عليها كوبان من الشاي بالنعناع.. نفس الكوبين ونفس الرائحة التي كانت شاهدة على كل تحولات قصتنا.

وضعت الصينية على المكتب، وسحبت كرسيًا وقعدت أمامي. نظرت إليها بابتسامة:

— “عارفة يا مريم.. الشاي بالنعناع ده بقى بالنسبة لي رمز لكل حاجة حلوة في حياتي. بيفكرني بأصعب لحظة وبأجمل لحظة في نفس الوقت.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *