فرصة تانية بقلم منى السيد

برغم أن إجابتها لم تكن الحضن الدافئ والعودة الفورية التي كنت أتمناها، إلا أنها كانت أعدل وأعقل إجابة يمكن أن أسمعها. كانت تمنحني فرصة.. فرصة حقيقية وملموسة لأثبت لها بالفعال لا بالأقوال أن كريم الجديد ليس هو كريم الذي تركها وراءه قبل خمسة أشهر.

قمت وقبلت رأسها باحترام:

— “أنا موافق يا مريم.. ومقنع بكل كلمة قولتيها. شقتك في طنطا، وأنا هفضل في القاهرة لشغلي، بس مفيش نهاية أسبوع، ومفيش إجازة، ومفيش يوم هيفوت من غير ما أكون هنا تحت رجليكي ورجلين يوسف. هثبتلك إن البيت اللي اتهد، هيتبني على أساس أقوى بمليون مرة.”

ابتسمت ابتسامة خفيفة، ولأول مرة منذ لقائنا في الكافيه، شعرت بأن الأمل لم يعد مجرد سراب، بل أصبح حقيقة نلمسها بأيدينا.

مر أسبوع آخر، وجاء اليوم المنتظر.. يوم خروج مريم ويوسف من المستشفى.

كان يوسف قد تخطى مرحلة الخطر، وسمح الأطباء بخروجه شريطة توفير بيئة معقمة ودافئة له في المنزل، مع متابعة دورية للوزن والتنفس.

أحضرت سيارتي ونظفتها تمامًا، ووضعت فيها مقعد الأطفال الذي اشتريته خصيصًا بأفضل الخامات. ساعدت طنط هدى في حمل الحقائب، بينما كانت مريم تحمل يوسف الملفوف بغطاء قطني أبيض ناعم كالسحاب. كان المشهد في الشارع دافئًا، شمس طنطا اللطيفة كانت تودعنا ونحن نتجه إلى شقتهما الصغيرة في حي هادئ وقريب من وسط المدينة.

الشقة كانت بسيطة للغاية، مكونة من غرفتين وصالة، لكنها كانت ممتلئة بلمسات مريم الإبداعية.. ألوان دافئة، ستائر رقيقة صنعتها بيديها، ورائحة بخور هادئة تملأ المكان. بمجرد دخولنا، وضعت مريم يوسف في سريره الصغير الجديد، وجلست بتعب على الأريكة.

تحولت في الأيام التالية إلى ما يشبه الآلة التي لا تكل ولا تمل. كنت أستيقظ في الخامسة صباحًا في شقتي بالقاهرة، أنهي عملي في الشركة بتركيز مضاعف وسرعة جنونية، وفور انتهاء مواعيد العمل في الرابعة عصرًا، كنت أستقل سيارتي وأقطع الطريق الزراعي متوجهًا إلى طنطا.
أصبحت خبيرًا في كل ما يخص الأطفال المبتسرين؛ أشتري الأدوية بدقة، أحضر الحفاضات الخاصة بالأوزان الصغيرة، وأساعد طنط هدى في إعداد الطعام الصحي لمريم. وفي الليل، عندما كان يوسف يبكي بسبب المغص أو صعوبة النوم، كنت أصر على أن تحظى مريم بقسط من الراحة، وآخذ أنا الصغير في حضني، أتمشى به في صالة الشقة الصغيرة، أهدهده وأغني له بصوت خفيض حتى ينام على صدري.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *