فرصة تانية بقلم منى السيد

مدت مريم إيدها ببطء، ولأول مرة منذ طلاقنا، وضعت كفها فوق كفي وضغطت عليه برقة:
— “أنا شفت الراجل اللي اتجوزته زمان يا كريم.. شفت الراجل الحنين، الجدع، اللي بيشيل المسؤولية ومبيهربش. يوسف غيرنا إحنا الاثنين، بس إنت غيرت نظرتي ليك تمامًا. الخوف اللي كان جوايا داب وسط تعبك وخوفك علينا.”
بلعت ريقي بصعوبة، وقلبي بدأ ينبض بعنف:
— “يعني إيه يا مريم؟”
أخذت نفسًا عميقًا، وابتسامة ساحرة ارتسمت على شفتيها:
— “يعني يوسف محتاج يكبر في بيته الحقيقي.. بين أبوه وأمه. ومريم محتاجة ترجع لحضن جوزها اللي بيحبها وبتحبه. كفاية غربة لحد كده يا كريم.. وكفاية سفر على الطريق الزراعي كل يوم.”
لم أتمالك نفسي. وضعت كوب الشاي بسرعة، وأخذتها في حضني بقوة، كأني أسترد روحي التي كانت ضائعة في أزقة الدنيا. بكيت وبكت هي الأخرى، لكنها كانت دموع الفرح والراحة بعد رحلة طويلة من الألم والوجع والشك.
وفي نفس اللحظة، جاءنا صوت بكاء صغير من الغرفة المجاورة. استيقظ يوسف ليعلن عن وجوده.
فصلنا الحضن ونحن نبتسم والدموع لا تزال على وجوهنا. وقفت مريم وأمسكت بيدي:
— “يلا بينا.. يوسف مستنينا نجيله سوا.”
دخلنا الغرفة، وحملت يوسف بين يدي، ووقفت مريم بجواري تسند رأسها على كتفي. وفي تلك اللحظة، نظرت إلى صغيرنا وعلمت أن المحنة التي مرت بنا لم تكن إلا بداية جديدة، أقوى وأجمل، لقصة حب كادت أن تنتهي، لكن الله أحياها بروح جديدة.. روح “يوسف”.
استقرت العاصفة أخيرًا، والبيت الذي كان يومًا مجرد جدران باردة يملؤها الصمت، دبت فيه الحياة من جديد، لكن هذه المرة بروح مختلفة تمامًا. لم نعد إلى شقة القاهرة القديمة فورًا؛ اتفقت أنا ومريم أن نمنح أنفسنا فرصة لتطهير المكان من ذكريات الخناقات والهروب. قضينا شهرًا إضافيًا في طنطا، نجهز لعودتنا كعائلة كاملة، نختار تفاصيل بيتنا الجديد معًا، وكأننا عروسان يتزوجان لأول مرة، ولكن مع تفصيلة صغيرة وثمينة غيّرت كل حساباتنا… سرير صغير وهادئ ينام فيه “يوسف”.
في صباح يوم الانتقال، كانت شوارع طنطا تودعنا بنسمة هواء لطيفة. قمت بتحميل آخر الحقائب في السيارة، بينما كانت طنط هدى تقف على باب شــ,قتها وعيناها تلمعان بدموع الفرح والراحة. اقتربت منها، وأمسكت يدها وقبلتها باحترام شديد:
— “مش عارف أشكرك إزاي يا طنط.. وقفتك معايا، وإنك سامحتيني وفتحتيلى بيتك وقلبك تاني، دي دين في رقبتي ليوم الدين.”



