فرصة تانية بقلم منى السيد

كنت أقضي ساعات طوال واقفًا خلف لوح الزجاج الكبير، أراقب جسده الضئيل، أصابعه الدقيقة التي تتحرك بعشوائية، وملامحه التي بدت لي مزيجًا ساحرًا بيني وبين مريم. في كل مرة كنت أنظر إليه، كنت أشعر بمسؤولية مرعبة تجتاح كياني. هذا الطفل بريء، ولا ذنب له في كل الخلافات والصمت والجدران الباردة التي بنيناها أنا وأمه حول أنفسنا طوال سنوات. كان يدفع ثمنًا لم يختره، والآن، جاء دوري لأدفع ثمن خطاياي بإثبات أنني أستحق بالفعل أن أكون أبًا له.
دخلت غرفة مريم في صباح اليوم الرابع، محملًا ببعض الفاكهة والعصائر التي أوصى بها الطبيب. كانت طنط هدى تجلس بجوارها، تمشط لها شعرها وتتحدث معها بصوت خفيض، لكنهما صمتتا فور دخولي. شعرت بوخزة في قلبي، مدركًا أن الثقة التي هُدمت في شهور لن تُبنى في مكالمة هاتفية أو بضع دمعات عند باب غـ,رفة العمليات.
— “صباح الخير يا مريم.. صباح الخير يا طنط.” قلتها بنبرة هادئة ومحترمة، واضعًا الحقائب على الطاولة الصغيرة بجوار السرير.
تنحنحت طنط هدى، ونظرت إلى مريم نظرة ذات مغزى، ثم التفتت إليّ وقالت بنبرة وقورة تحمل بعض اللين:
— “صباح النور يا كريم. أنا هسيبكم شوية، هروح الحضانة أطمن على يوسف وأشوف الممرضة لو محتاجة أي أوراق أو علاج.”
أومأت لها بامتنان، وانتظرت حتى أُغلق الباب خلفها تمامًا. التفتُّ إلى مريم التي كانت تتجنب النظر إليّ مباشرة، مركزة عينيها على نافذة الغرفة التي تطل على شارع هادئ في مدينة طنطا. سحبت الكرسي الخشبي وقعدت بجوارها، ممسكًا بكوب من العصير الدافئ وقدمته لها:
— “اشربي ده يا مريم.. الدكتور قال لازم تتغذي كويس عشان الضغط يفضل متظبط، وعشان تقدروا تخرجوا بالسلامة.”
أخذت الكوب مني بهدوء، ولمست أصابعها أصابعي لثانية واحدة، فشعرت بكهرباء تسري في جسدي. أخذت رشفة صغيرة ثم وضعت الكوب جانبًا، والتفتت إليّ بنظرة جادة وثابتة، نظرة خالية من الضعف الذي رأيته فيها ليلة الولادة.
— “كريم.. إحنا لازم نتكلم.” قالتها بصوت واضح ورزين.
— “أنا تحت أمرك يا مريم، اتكلمي وأنا هسمعك لآخر العمر.”
تنهدت بعمق، وسندت ظهرها على الوسائد البيضاء:
— “وجودك هنا، ووقفتك معايا ومع ماما في الأيام اللي فاتت دي، أنا مقدراها جدًا ومش هنسى إنك جيت جري أول ما عرفت. بس ده مغيرش الحقيقة يا كريم. الحقيقة إننا مطلقين. الطلاق ده مكنش مجرد ورقة اتمضت بسرور، ده كان نتيجة شرخ كبير وعميق في بيتنا. إنت قولتلي في وشي إنك بطلت تحبني بسكوتك، وإنت اللي اختارت تنهي كل حاجة في لحظة كنت أنا فيها بموت من الرعب والوحدة.”




