فرصة تانية بقلم منى السيد

الحديقة كانت مزينة بالبالونات الملونة، وصوت أغاني الأطفال يملأ المكان. كان يوسف يرتدي بدلة صغيرة تشبه بدلتي تمامًا، ويركض بين أحضان جدته وأصدقائنا وهو يضحك.

كنت واقفًا على مسافة قريبة، أراقب هذا المشهد وعقلي يعود بي إلى الوراء.. إلى خمسة عشر شهرًا مضت. تذكرت ليلة الطلاق الباردة، تذكرت جلستي وحيدًا في الشقة الميتة، وتذكرت اللحظة الفارقة في ذلك الكافيه الصغير عندما رأيت بطن مريم الكبيرة وشعرت بأن الأرض تسحب نفسها من تحت رجلي. كم كان الشك مؤلمًا، وكم كان الوجع عميقًا، لكن لطف الله وحكمته جعلا من تلك المحنة القاسية وسيلة لنولد من جديد.

اقتربت مريم مني، كانت ترتدي فستانًا أبيض رائعًا من تصميمها، وشعرها يتطاير مع نسمات الهواء. وقفت بجواري ونظرت إلى حيث أنظر، ثم شبكت يدها في يدي.

— “بتفكر في إيه يا أبو يوسف؟” سألتني بنبرة مليئة بالحنان.

التفتُّ إليها، ونظرت في عينيها اللتين لم يعد الحزن ساكنًا فيهما، بل حل محله بريق الفرح والأمل:

— “بفكر في رحلتنا يا مريم.. بفكر في الكافيه الصغير، وفستانك الباهت، وكوباية الشاي اللي كانت بترعش في إيدك. بفكر إزاي ربنا أنقذنا من نفسنا، وإزاي يوسف جيه الدنيا دي مش بس عشان يكون ابننا، عشان يكون طوق النجاة اللي رجعنا لبعض.”

نزلت دمعة فرح رقيقة من عينيها، فمسحتها بإصبعي برفق. وقالت بصوت هامس:

— “الماضي مات يا كريم.. بكل وجعه ودموعه وسكوته. إحنا النهاردة بنحتفل ببدايتنا الحقيقية. يوسف كمل سنة، وبيتنا كمل سنة من الحب والصراحة والأمان.”

في تلك اللحظة، ركض يوسف نحونا، وارتمى بين أرجلنا وهو يرفع يديه الصغيرتين طالبًا أن نحمله. انحنيت أنا ومريم في نفس الوقت، وحملناه سويًا ليكون بين أحضاننا نحن الاثنين. ضممناه إلينا بقوة، ونظرنا إلى السماء وقلوبنا تلهج بالحمد والشكر.

انتهت فصول الحكاية القديمة، الحكاية التي كادت أن تنتهي بالخراب والفرقة، وبدأت من هنا حكاية جديدة تمامًا.. حكاية عائلة تأسست على الوجع فصارت أقوى من أن تكسرها الأيام، عائلة عنوانها الحب، وسندها الصدق، ونورها الصغير “يوسف”.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *