فرصة تانية بقلم منى السيد

شعرت بالكلمات تخنقني، وحاولت المقاطعة:

— “مريم، أنا كنت أعمى، كنت غبي ومضغوط في الشغل و…”

قاطعتني برفع يدها بلطف ولكن بحسم:

— “عارفة.. وعارفة إن الشغل كان مهربك من البيت اللي مبقاش فيه أطفال. بس الست لما بتحس إن جوزها وسندها بيهرب منها وهي في أشد الحاجة ليه، في حاجة جواها بتموت. أنا لما عرفت إني حامل، الفرحة مشالتنيش، كنت جاية أجري عشان أقولك إن ربنا جبر بخاطرنا، عشان أقولك إن الصمت اللي في بيتنا هينتهي وبيتولد مكانه ضحك ولعب. بس إنت مستنتش يا كريم. أول ما دخلت، رميت كلمتك ومشيت. حسيت وقتها إنك لو عرفت إني حامل وقعدت معايا عشان الطفل، هكون رخيصة في عيني وعينك. كنت عايزة راجل بيحبني أنا، مش بيقعد معايا كحاضنة لطفل كان بيتمناه
انهمرت الدموع من عيني دون إرادة مني. ركعت على ركبتي بجوار السـ,رير، وأمسكت بيمينها وضغطت عليها برفق:
— “أنا عمري ما بطلت أحبك يا مريم. السكوت اللي شوفتيه يومها مكنش قلة حب، كان قلة حيلة. كنت حاسس إني عاجز، مش قادر أسعدك ولا قادر أديكي الحلم اللي بتتمنيه، وكنت فاكر بغبائي إن بعادي عنك هو اللي هيريحك. لما شوفتك في الكافيه وبطنك قدامك، الدنيا لفت بيا.. الشك والغيرة والغضب عموني في أول دقيقة، بس لما عرفت الحقيقة من طنط هدى، حسيت إني أصغر إنسان على الأرض. أنا مستعد أعمل أي حاجة عشان تكفري عن ذنبي ده. مستعد أبدأ معاكي من الصفر، في المكان اللي تختاريه، وبالطريقة اللي تريحك.”

نظرت إليّ مريم طويلاً، وامتزجت في عينيها مشاعر الحب القديم بالخوف المستقبلي. مسحت دمعة هربت من عينيها وقالت:

— “الرجوع مش بالسهولة دي يا كريم. أنا اتغيرت.. الشهور الخمسة اللي عشتهم لوحدي في طنطا، بعيد عن القاهرة وزحمتها وذكرياتها، غيروني. اتعلمت أعتمد على نفسي، اشتغلت من البيت في تفصيل الملابس وتصميمها مع مشغل صغير هنا، وكنت بجهز نفسي إني أكون أم وأب ليوسف لوحدي. الخوف الجوايا إننا لو رجعنا دلوقتي تحت تأثير العاطفة وصدمة الولادة، نرجع نقع في نفس الغلطات تاني أول ما يوسف يكبر والروتين يرجع يبتلعنا.”

— “مش هيحصل يا مريم.. أنا اتعلمت الدرس، والله اتعلمته بالدم والدموع.”

— “عشان كده يا كريم.. أنا مش هقولك لأ، ومش هقولك آه. إحنا مش هنرجع لبعض دلوقتي. لما أخرج من المستشفى، هرجع شقتي في طنطا مع ماما. يوسف محتاج رعاية خاصة لأنه نزل في السابع، وأنا محتاجة وقت أرتب فيه أفكاري وأشوف إنت فعلاً اتغيرت ولا ده مجرد اندفاع مؤقت. إنت أبو يوسف، ليك الحق تشوفه في أي وقت، وتيجي تزورنا، وتتحمل مسؤوليته معايا خطوة بخطوة.. ومن هنا لحد ما الشهور تعدي، ربنا يقدم اللي فيه الخير.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *