شقة مشتركة حكايات زهرة الربيع 2

التفت محمود إليّ وعيناه تتوسلان وتتوعّدان في آن واحد، وقال بصوت خفيض كي لا يسمعه المحامي: “عايزة تخربي بيتنا يا نهى؟ عايزة تفضحينا قدام الناس والأمة؟”
نظرته تلك لم تعد تحرك فيّ شيئاً. نظرت إليه وجمعت كل وجعي وقسوتي وقولت له بصوت سمع للجميع: “البيت أنت اللي خربته يوم ما سمحت لغيرك يدخل أوضة نومي ويقيس هدومي.. يوم ما هانت عليك كرامتي وكرامة ابنك عشان خايف من أخوك.”
خرجنا من الشقة بعد إثبات الحالة رسمياً وتحرير المحضر. سارعت حماتي بالركض خلفنا في الشارع وهي تصيح: “مش هتنالي قرش واحد! والولد ده مش هتشوفي منه جنيه نفقة!”
لكن رد المحامي كان قاطعاً كالسيف: “القانون سيكفل لها ولابنها النفقة والمسكن والمنقولات كاملة، وستصلكم الإخطارات الرسمية من المحكمة خلال أيام.”
عدت إلى بيت أمي وأنا أشعر لأول مرة منذ سنوات أنني أتنفس بحرية. الحزن كان لا يزال يحرق قلبي على ثلاثة أعوام ضاعت مع رجل لم يعرف معنى القوامة ولا الحماية، لكن قوة جديدة كانت تتشكل بداخلي.
بعد ثلاثة أيام، أرسل محمود وسيطاً من كبار المنطقة ليطلب الصلح والجلسة العرفية. اتصل الوسيط بأمي وقال إن محمود مستعد لإخراج أخيه وزوجته فوراً من ، وإعادة كل شيء كما كان، بشرط أن أتنازل عن المحاضر والقضايا وأعود إلى البيت.
أخذت أمي الهاتف وقالت للوسيط بصوت حاسم: “قل لمحمود، اللي استخصر فيها كرامة مراته ما يلزمناش ندخلها تاني. نهى مش هترجع إلا بحقها كامل، والقصة بينها وبين محمود مش قصة شقة.. القصة قصة راجل ينفع يأتمن على بيت ومرام، وهو أثبت إنه مش قد الأمانة.”
جلسنا في مساء ذلك اليوم لنعد الخطوات القادمة مع المحامي، وأنا أعلم أن المواجهة في المحاكم ستكون طويلة وشاقة، وأن أهله لن يستسلموا بسهولة، خصوصاً بعد أن أصبحت صورتهم أمام المنطقة على المحك. لكنني ألقيت الخوف وراء ظهري، ونظرت إلى طفلي النائم بجواري، وعاهدت نفسي ألا أفرط في حقه ولا في كرامتي مهما كانت التضحيات.
لم يمضِ سوى يومين على رفضنا للجلسة العرفية بالشروط الهزيلة التي عرضها محمود، حتى بدأت الحرب الحقيقية، ولكن هذه المرة لم تكن حرب أوراق ومحاكم فقط، بل حرب ضغوط نفسية وابتزاز لم أكن أتوقعه.
في صباح يوم الأحد، استيقظت على صوت طرقات متوالية على باب أمي. فتحت أمي الباب لتجد محمود واقفا، ومعه اثنان من كبار المنطقة. كان وجهه شاحبا، وعيناه مجهدتين، لكن ملامحه كانت تحمل تحولا غريبا؛ لم يعد ذلك الزوج المستكبر الذي يهدد بالطلاق، بل كان يتصنع الانكسار والندم.





