قعدت ورا الباب المقفول، والهدوء اللي ساد الطرقة برة كان يرعب. صوت خطواتهم وهي بتتراجع على السلم كان عامل زي دقات الساعة اللي بتعلن نهاية مرحلة كاملة من حياتي. الحرارة كانت لسه بتاكل في جسمي، بس العياط والدموع المرة اللي نزلت من عيني غسلت كل غشاوة كانت على عقلي. أنا مسحت دموعي، وقومت متسندة على الحيطة. بصيت للشقة... العفش الفخم، الدهانات الهادية، الأجهزة اللي لفيت عليها المحلات عشان أنقيها تفصيلة تفصيلة... كل حاجة كانت بتصرخ وتقول إن المكان ده اتبنى بعرقي وتتعبي، ومستحيل أسمح لعصابة تستغل طيبتي وتـ،،سـ،ـرقه مني. مسكت تليفوني واتصلت بخالي. رد عليّ بصوته القوي الحنون: «أيوه يا ندى يا بنتي... التليفون اللي جالي من أمن الكمبوند ده صح؟ الناس دول لسه واقفين عندك؟» قلتله بصوت مكسور بس مليان إصرار: «مشوا يا خالو... بس كانوا جايبين محامي ومعاهم عقد مزيف أخدوا توقيع أحمد عليه. أنا هددتهم بالشركة وبالقضايا والمحامي هرب، بس أنا مش هسيب حقي. أنا محتاجة محامي الشركة الكبير يكون عندي بكرة الصبح، ومحتاجة الحراسة على باب العمارة تتشدد، ما حدش يدخل الشقة دي نهائياً إلا بإذن كتابي مني.» رد خالي بحسم: «اعتبري كل ده حصل يا بنتي. والأستاذ فريد محامي الشركة هيكون عندك الساعة تسعة الصبح بأوراق القضايا كلها. وأحمد ده... حسابه معايا كبير أوي على المهازل دي.» قفلت مع خالي، ودخلت أخدت دش دافي ينزل الحرارة اللي بدأت تخف تدريجياً. غيرت هدومي وقعدت في الصالة، وبدأت أجمع كل العقود الأصلية، إيصالات أمانة الشراء، كشوف الحسابات البنكية اللي بتثبت تحويل كل قسط باليوم والساعة من حسابي، وفلاشة عليها كل تسجيلات الكاميرات من أول ما غيروا الباسورد لغاية ما المحامي بتاعهم هرب. على الساعة واحدة بعد منتصف الليل، التليفون رن. كان أحمد. ما رديتش. اتصل مرة، اتنين، ثلاثة... وبعدين بعت رسالة صوتية مدتها ثلاث دقائق. فتحتها وأنا بصلها بجمود. كان بيعيط بصوت يقطع القلب: «ندى... أرجوكي اسمعيني، والله العظيم أنا مخدوع! أمي وإبراهيم استغلوا يوم كنت تعبان فيه وفي مستشفى من ست شهور، وأخدوا بصمتي وتوقيعي على أوراق أبيض بحجة إنها أوراق التأمين الصحي وقضايا الشغل! أنا ما كنتش اعرف إنهم بيعملوا عقد توكيل وتنازل عن الشقة! أنا لما عرفت الحقيقة برة في الطرقة كنت هـ،،مــ،ـوت... أنا طردتهم من الشقة المفروشة اللي أجرتها لهم ولغيت إيجارها، وأمي دعت عليا وقالتلي لا أنت ابني ولا نعرفك، وإبراهيم ضربني في الشارع ولاد الحرام اتلموا علينا! أنا قاعد في العربية تحت العمارة عندك ومش قادر أمشي... افتحيلي يا ندى، أنا ماليش غيرك والدنيا كلها باعتني!» سمعت الرسالة وأنا ببتسم بمرارة. أحمد مكانش خـ،،ائـــ،ـن بالمعنى الصريح، بس كان "ضعيف". والضعف في مواجهة الشر جـ،،ريـــ،ــمـــ،ـه لا تقل عن الخـ،،يـــ،ــانـــ،ـه. هو ساب أهله يتربصوا بيا، وسابهم يتدخلوا في أدق تفاصيل حياتنا، وساب بساطته ووساطته تتسبب في إنهم يبصموه على بيع بيتي. ما رديتش عليه، وقفت من ورا الستارة وبصيت على الشارع. لقيت عربيته مركونة تحت الفانوس، وهو قاعد جواها حاطط رأسه على الدركسيون وبيعيط. سيبته في حسرته وقفلّت الستارة. تاني يوم الصبح، الساعة تسعة بالظبط، الباب خبط. بصيت من العين السحرية، لقيت الأستاذ فريد محامي خالي، لابس بدلتهم الأنيقة ومعاه شنطة جلد ثقيلة، ومعاه اثنين من أفراد أمن الكمبوند. فتحت الباب ورحبت بيه. دخل قعد في الصالة، وفتح الملفات: «صباح الخير يا مدام ندى. الباشمهندس خالك بلغني بكل التفاصيل. وبصراحة، الوضع القانوني لصالحنا بنسبة 100%، بس لازم نتحرك بسرعة وقوة عشان نقطع دابر المحاولات دي نهائياً.» قلتله بجدية: «أنا جاهزة لكل الخطوات يا أستاذ فريد. مش هتنازل عن حرف واحد.» ابتسم المحامي وقال: «ممتاز. إحنا هنعمل الآتي: أولاً: رفع دعوى "بطلان تصرف وتزوير" على العقد اللي مع أهله، وبلاغ رسمي للنيابة العامة بتهمة الشروع في النصب والتزوير في أوراق رسمية واستغلال توقيع على بياض. ثانياً: قضية تمكين حصرية ليكي للشقة، وتغيير ملكية خدمات الشقة (المية، الكهرباء، الغاز، الإنترنت) لتكون باسمك الصريح في الشركات الرسمية مش مجرد عقود. ثالثاً: بالنسبة للأستاذ أحمد... لو حضرتك حابة، نعمل دعوى طـ،،لأ،،ق للضرر مع إلزامه برد كافة المؤخر والمستحقات، أو رفع قضية استرداد أموال التحويلات اللي دخلت في حساباته لو كان في أي مبالغ اتدحرجت بينكم.» سكت لحظة، وفكرت في أحمد اللي سهر طول الليل في العربية تحت البيت. قلت بثبات: «بالنسبة لأحمد... أنذروه رسمياً بعدم الاقتراب من الشقة. وأنا هطلب الطـ،،لأ،،ق منه بهدوء. لو وافق يطلق في الهدوء ويسلمني كل أوراقي ورخصي اللي معاه، مش هرفع عليه قضايا استرداد أموال شخصية وهركز قضايا التزوير على أخوه وأمه. لكن لو حاول يماطل أو يقف معاهم... القضايا تطول الجميع.» المحامي هز رأسه بإعجاب: «قرار حكيم جداً.» وفجأة... وأحنا بنتكلم، سمعنا صوت صراخ وزعيق عالي جاي من المدخل الرئيسي للعمارة تحت! المحامي قام وقرب من الشباك، وأفراد الأمن اللي كانوا واقفين برة الباب نزلوا يجرو على السلم. بصيت من الشباك، وكانت الصدمة! حماتي كانت واقفة في الشارع قدام باب العمارة، لمة الشارع كله! جايبة معاها أختها الكبيرة، واثنين من قرايبهم الصعايدة، وإبراهيم أخو جوزي واقف مع أمه وبيصرخ بعلو صوته: «يا ناس يا عالم! تعالي شوفوا الست المفتري الغنية اللي طردت حماتها في الشارع ورمت هدومها! تعالي شوفوا اللي عملت عمل لابننا وخليته يطرد أمه وأخوه الحامل مراته!» وحماتي قعدت على الأرض في الشارع، ورشت على رأسها تراب وبدأت تصوت وتعدل بصوت هستيري: «يا فـ،،ضـ،،يـ،،حـ،،تـ،،ك يا عيلة! ابن عمكم طرد أمه عشان خاطر واحدة غريبة! الشقة شقة ابني وهي سرقتها منه بالأوراق المزورة! والله ما طالعة من هنا إلا لما أرجع بيتي أو أئـ،،مــ،ـوت على العتبة دي!» الناس والأهالي والأمن اتلموا حوليهم، والوضع أتحول لفـ،،ضـ،،يـ،،حـ،،ة علنية في الشارع! أحمد خرج من عربيته وهو مرعوب، وجري على أمه يحاول يقومها: «يا أمي قومي الله يخليكي! الـ،،فـ،،ضـ،،يـ،،حـ،،ة دي مش هتفيد بحد! الشارع كله بيتفرج علينا!» حماتي ضربته باللمة على وشه قدام الناس كلها وصرحت: «ابعد عني يا خـ،،ائـــ،ـن! يا اللي بعت أمك عشان جزمة مراتك! اعتبرني مـ،،يـ،،تـ،،ة يا أحمد، ودعوة مظلوم هتلاحقك في صحتك وعافيتك!» سلفتي مي كانت واقفة بعيد، بتصور الموقف بكتفها وتليفونها عشان تنزله على النت وتعمل حملة تشويه سـ،،مـ،،عـ،،ه ضدنا! المحامي فريد بصلي وقال بسرعة: «مدام ندى... دي محاولة ابتزاز علني وتجمهر وتشويه سـ،،مـ،،عـ،،ه. التصرف الصح حالياً مش إننا ننزل نترجاهم. التصرف إننا نطلب شرطة النجدة فوراً ونعمل محضر تجمهر واستعراض قوة وتشهير وتصوير بدون إذن!» مسكت التليفون، وطلبت النجدة بنفسي. وبعد عشر دقائق بالظبط... صوت سرينة عربيات الشرطة كان بيهز الشارع كـ،،ابــ،،وس حقيقي بالنسبة لهم. الشرطة نزلت، والضابط نزلت هيبته الشارع: «في إيه هنا؟! مين اللي عامل المهرجان ده في الشارع؟» إبراهيم جري على الضابط: «يا باشا دي شقة أخويا، ومراته طردت أمي وأنا مراتي حامل...» الأستاذ فريد نزل من العمارة وبيده ملف الأوراق الرسمية وقدمه للضابط: «يا فندم، أنا محامي المالك الرسمي للشقة المدام ندى. الأفراد دول بيقوموا بالتجمهر والتشهير والابتزاز العلني ومحاولة اقتحام ملكية خاصة، ومعانا فيديوهات بتثبت تصويرهم وتشهيرهم بالمدام على الـ،،نـ،،تـ،،.»