متجوز على مراتى حكاوي شيمو ١

فتح كريم الرسالة وقدما والده تكادان لا تحملاه، وقرأ بصوت خاشع وموجع: “خالتي كانت بتسألها ليه ملامحك متغيرة اليومين دول، وماما كتبت لها: ‘محمود اتجوز عليا.. واحدة اسمها ندى، عرفت بالصدفة من ورقه في جيبه. بس مش هعمل مشاكل ولا ههدم بيتي.. هسيبه، وهشوف هو هيفضل مكمل في الكدب ده لحد إمتى، وهستنى اللحظة اللي يقرر فيها يواجه بنفسه عشان أخد قراري الصح’.

سقط الهاتف من يد محمود على السجاد، وانسحب الدم من وجهه. لم تكن صدمة سعاد في المطعم هي المفاجأة الأولى كما ظن، بل كانت “المسرحية الكبرى” التي أتقنت سعاد تمثيلها ببراعة طوال سبعة أعوام كاملة! لقد كانت تعلم بكل تفصيلة، بكل كذبة، بكل مرة كان يختلق فيها حجة لتأخيره عن البيت، وبكل قرش كان ينفقه هناك. كانت تراقبه بصمت مطبق، تترقب، وتحسب الأيام، وتنتظر اللحظة التي يقع فيها في شر أعماله.

“أومال هي فين دلوقتي يا كريم؟” سأل محمود بصوت خافت وكأنه يخاطب نفسه.

رد كريم بحدة وقسوة جعلت قلب أبيه ينقبض: “في بيت خالتي.. وكتبت لي رسالة قبل ما تمشي، قالت لي فيها: ‘يا كريم، أبوك اختار يكمل طريقه في السر، وسابني أبني معاكم في الضلمة، بس لو هو مفكر إنه ذكي، فهو مجرد ضحية لثقة هو بنفسه هدمها. بكرة يفوق ويعرف إن السكوت مش معناه رضا، ده كان استدراج لنهاية هو اللي كتبها بايده’.”

في تلك الأثناء، كانت ندى في شقتها الصغيرة تجلس بجوار ابنها يوسف الذي غلبة النوم على السرير، وهي تحس بمرارة غريبة تحلق في صدرها. رغم أنها حققت مرادها ورأى ابنها أباه في النور، ورغم أن سعاد عرفت، إلا أن الجو لم يكن يوحي بأي نصر. كانت تعلم أن ما جرى في المطعم لم يكن سوى بداية عاصفة شرسة، وأن محمود الآن يواجه شبح ماضيه الذي تراكم لسبع سنوات.

رن جرس باب شقة ندى في منتصف الليل. فتحت الباب وهي ممسكة بأنفاسها، لتجد محمود أمامها. لم يكن يبدو كزوج أو حبيب، بل كان شبحاً لرجل تآكلت جدران غروره وثقته بنفسه. دخل من غير أن ينطق بكلمة واحدة، وجلس على الأريكة ويداه تغطيان وجهه.

اقتربت منه ندى بحذر وقالت بصوت منخفض: “محمود.. مالك؟ إيه اللي حصل؟ سعاد عملت إيه لما روحت البيت؟”.

رفع محمود رأسه وعيناه محمرتان من التعب والصدمة، وقال بصوت مكتوم: “طلعت عارفة يا ندى.. طلعت عارفة من سبع سنوات، من أول يوم جوّاز بينا!”.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *