بنتي اللي عندها 29 سنة لسه مخلفة تالت عيال من شهرين والدنيا كانت ماشية معاها فل. بس من أسبوعين كدة، اتصلت بيا وقالت "الحقيني يا ماما.. أنا حاسة بنــ,,ـــــار قايدة في بطني، مش قادرة أخد نفسي ولا قادرة أقف على رجلي! "قلب الأم اتقبــ,,ـــــض في ثانية. سألتها بخضة:— "في إيه يا بنتي مالك؟ كلمي الدكتور.. مش جايز ده تأثير اللولب أو الحبوب اللي بتاخديها عشان تنظيم الحمل بعد الولادة؟" ردت حنان وهي بتئن من الألم:— "مش عارفة والله يا ماما. . أنا كلمت الدكتور وقالي بالحرف: تعالي المستشفى فوراً، الحالة متستناش! "وهنا وقعت الفأس في الراس، لما حنان سألت أمها بكل بساطة وسذاجة في وسط الموقف:— "طيب يا ماما.. هو بابا فاضي يجي يقعد مع العيال، عشان جوزي يعرف يلبس ويوديني المستشفى؟ "الرد جه من منى كالصاعقة، قاطع وحاسم وجاب من الآخر:— "بصي يا حنان، أنا معرفش أبوكي بيعمل إيه دلوقتي، بس استحالة وألف استحالة إنه يشيل 3 عيال في سنهم ده. . انسي الموضوع ده من أساسه، مش هيحصل أبداً!"قفلت منى السكة، وكانت عينيها بتبرق من الغيظ والقلق في نفس الوقت. جوزها "محمود"، الراجل اللي وصل لـ 53 سنة، قاعد في البيت حاطط رجل على رجل بعد ما فقد شغله، ملوش أي خلق لأي مسئولية، ولو شال طفل دقيقة واحدة البيت هيتقلب حــ,,ـــــرق وعياط. بس في المقابل، بنتها بتمــ,,ـــــوت من الوجع وبتتلوى على السر,,ـــــير، والمستشفى بعيدة، وجوزها "عصام" لوحده مش هيقدر يلحقها وينجز في إجراءات دخول طوارئ ومتابعة دقيقة مع تلت عيال محشورين في الشقة. وفي لحظة تردد قاتلة، لقت منى نفسها بتلبس عبايتها بسرعة، ومفاتيح بيتها في إيدها. مفيش وقت للتفكير. الكرامة والعند مع جوزها العاطل هينتظروا، لكن بنتها ممكن تكون في خطر مــ,,ـــــوت. نزلت على السلم جري، ومنى بتدعي ربنا إنها تلحق البنت قبل ما الجرح الداخلي أو المضاعفات تنهي عليها. لما وصلت منى عند شقة حنان، لقت المنظر جوه مرعب. الأطفال التلاتة بيعيطوا بصوت واحد كأنهم في معركة، وحنان نايمة على الكنبة وشها أصفر زي الوفــ,,ـــــاه وماسكة بطنها بإيديها اللي بتترعش، وعصام جوزها واقف تايه مش عارف يعمل إيه ولا يمسك مين ولا يسيب مين. دخلت منى بسرعة كالطوفان، وزعقت بصوت مرتجف من الخوف:— "قوم يا عصام. . شيل مراتك نزلها العربية فوراً، وأنا مش هسيب العيال.. يلا بسرعة قبل ما الروح تطلع!"خرجوا من البيت في نص الليل، والمطر كان بيبدأ ينزل بخفة وكأنه بينذر بليلة طويلة وصعبة. في العربية، وجع حنان كان بيزيد مع كل مطب في الشارع، لحد ما وصلوا طوارئ المستشفى اللي ولدت فيها من شهرين. الدكاترة والممرضات استقبلوا الحالة بملامح مكنتش مريحة أبداً. النبطشي دخلها الكشف السريع، وبعد دقايق طلع لـ عصام ومنى ووشه مخطوف، وقال بلهجة جادة:— "الحالة مش هتنفع معها مسكنات. . في مشكلة كبيرة جوه، والعمليات لازم تدخل فوراً.. جهزوا الورق! "منى بصت لـ عصام بذهول، وقالت بصوت مسموع يملؤه الرعب:#الكاتب_رومانى_مكرم_— "عمليات إيه يا دكتور؟ بنتي لسه والدعة من شهرين، إيه اللي جرى لبطنها بالشكل ده؟! "منى بصت لـ عصام بذهول، وقالت بصوت مسموع يملؤه الرعب:#الكاتب_رومانى_مكرم_— "عمليات إيه يا دكتور؟ بنتي لسه والدعة من شهرين، إيه اللي جرى لبطنها بالشكل ده؟!"الدكتور سكت ثانية وبص للأرض بتهرب، وقال جملة واحدة جمدت الدم في عروقهم:— "شكلنا قدام كارثة طبية من يوم الولادة. . والجرح جوه بينزف من أسوأ احتمال ممكن نتخيله!" وجات في دماغ منى جملة واحدة وهي شايفة الدكتور بيتحرك بسرعة: **"يا ترى هيحصل إيه، وهل الكارثة دي وراها خطأ طبي مدفون من يوم الولادة، ولا بطن بنتها هتشهد فصل جديد من المــ,,ـــــوت؟ ! "** و الدكتور اتحرك بسرعة البرق ورجع دخل غرفة التجهيز، وعصام وقف مكانه حيطة مائلة مش قادرة تشيل نفسه، بيبص للورق اللي في إيده كأنه طلاسم، ومنى حطت إيديها على صدـ,,ـــرها وهي بتتنفس بصعوبة كأنها هي اللي جوه العمليات مش بنتها. في اللحظة دي، الممرضة خرجت بجرى وبصت لعصام وقالت بحدة:— "بسرعة يا استاذ.. امضي على إقرار العمليات فوراً، الحالة نزلت ضغطها بشكل مرعب ومفيش وقت للأسئلة!"عصام بإيدين بتترعش مضا الورق، ومنى نزلت دمعة حامية على خدها وهي بتدعي بصوت مسموع: "يا رب سترك. . دي لسه طفلة، ارجعها لعيالها سالمة يا رب!"جوه غرفة العمليات، كانت الأضواء الساطعة كاشفة لكل تفصيلة. جراح التخدير بيراقب الشاشات والضغط بينزل بشكل تدريجي ومقلق. الجراح الرئيسي بص للمساعد بتاعه وقال بصوت جاد ومشدود:— "المشرط. . بسرعة. التجلطات دي شكلها قديم ومنفوخة بملامح التهاب حاد. افتح الجرح القديم مكان القيصرية لنرى المصدـ,,ـــر الأساسي للنزيف."أول ما المشرط لمس الجلد، ظهرت الحقيقة اللي كانت مخبية ورا أسابيع من الوجع الصامت. الجراح فتح عينه بذهول وهو بيقول للي حواليه:— "يا إلهي!.. دي مش مجرد التهابات عادية. بصوا هنا. . ده في شاش طبي نسيوه جوه التجويف البطني أثناء عملية القيصرية اللي اتعملت من شهرين! الجسم اتفاعل معاه وحصل تلوث وتكوين صديد وتسمم في الدم!"الكلمة نزلت زي الصاعقة على الفريق الطبي كله. الشاش المنسي تسبب في التهاب جدار البطن الداخلي وبدأ يضغط على الأوعية الدموية ويسبب نزيف خفي كان بيقترب من الانفجار الكارثي، ولو سابوها ساعات كمان كانت الحيونة والعدوى هتوصل لمرحلة تسمم عام في الجسم كله تفقدها حياتها في ثواني. بره العمليات، الساعات كانت بتعدي على منى وعصام كأنها سنين. التلات أطفال في الشقة لوحدهم مع صراخهم المتواصل كان طيفه بيطارد منى، لكن عقلها كله كان جوه الأبواب المقفولة دي. عصام كان قاعد ماسك دماغه بإيديه ودموعه في عينه، حاسس بالعجز التام، وبيفكر إزاي غفل عن كل علامات الوجع اللي كانت مراتك بتخبيها عشان متزودش عليه أعباء البيت وفقدان الشغل. بعد مرور ساعتين وشويه حسوا إنهم في كابوس، انفتح باب العمليات وطلع الجراح ووشه متجهم ومحاط بعلامات الإرهاق. جريوا عليه الاتنين بلهفة وصوت واحد:— "طمني يا دكتور.. بنتي عاملة إيه؟!"الجراح أخد نفس عميق وبص لمنى اللي كانت عينيها بتترجى الإجابة، وقال بلهجة فيها حسم ومسؤولية:— "الحمد لله. . ربنا ستر ولحقناها في آخر ثانية. التصريف والتنظيف تموا بنجاح، وشلنا الجسم الغريب اللي كان سبب الكارثة دي كلها."منى نطقت بصوت متهدج وغير مصدقة: "جسم غريب؟! تقصد إيه يا دكتور؟ بنتي دخلت ولادة طبيعية ولا مقبولة في مستشفى تانية، إيه اللي دخل بطنها؟ !"رد الجراح بجدية بالغة: "للأسف يا امي.. ده شاش طبي منسي من عملية القيصرية اللي فاتت. الخطأ الطبي ده كان هيودي بحياتها لولا لطف ربنا وسرعة جيتكم."هنا اشتعلت النيران جوه عقل منى. القلق اتحول لغضب جارف وثورة بركانية. الكارثة مش مجرد مرض مفاجئ، دي إهمال بشري متعمد من المستشفى والدكتور القديم اللي ولدها من شهرين، وهو اللي حط حياة حنان على المحك وعرض تلات أطفال رضع لليتم في لحظة غفلة!عصام بص لمراته وهي نايمة على السر,,ـــــير المتحرك لما خرجت للإفاقة، ووشها أبيض كالثلج، وقال بصوت مليان قهر وغضب:— "مش هسكت. . المستشفى دي والدكتور ده هندفعهم ثمن كل دمعة نزلت من حنان، وثمن الرعب اللي عشناه ده كله!"منى مسحت دمعتها بقسوة وقالت بلهجة قاطعة وهي بتشد على إيد عصام:— "ولا أنا هسكت يا عصام.. دي مش مجرد غلطة، دي جريمة إهمال واضحة، وحق بنتي ودمها مش هيروحوا هدر أبداً. . بس الأول نطمئن إنها فتحت عينها، وبعدين نعرفهم مين هي منى وأهل حنان كويس!"حنان فاقت من البنج بعد ساعات طويلة، وكان وشها أصفر شاحب كاللفت، وعيونها تايهة مش قادرة تستوعب هي فين ولا إيه اللي جرى. أول ما فتحت عيونها ولمحت أمها منى وجوزها عصام واقفين جنب السر,,ـــــير، نزلت دمعة بطيئة من عينها وقالت بصوت مكسور وناعم:— "أنا فين يا ماما.. والعيال.. العيال عاملين إيه؟ محدش يسيبهم."منى قربت منها بسرعة، وطبعت بوسة دافية على جبينها وهي بتكتم شهقة البكا، وقالت بحنان وقوة في نفس الوقت:— "اشش. . اطمني يا ضلي، العيال مع خالتهم دلوقتي وبيتغذوا كويس، وأنتِ في عيوننا وفي الأمان.. الحمد لله رب العالمين إنك رجعتي لنا بالسلامة."عصام مسك إيد مراته وباسها وقال بصوت مهزوز من القهر:— "حقك عليا يا حنان.. سامحيني إني مأخدتش بالي من وجعك من الأول، وكنت فاكر تعبك مجرد إرهاق طبيعي. . بس أقسم بالله العظيم ما هسيب حقك ولا هعدي اللي حصل ده بالساهل."حنان حاولت تبتسم بوجع وقالت: "المهم.. إني بقيت معاكم.. كنت حاسة إن الروح بتطلع مني يا عصام، وإن العيال هيروحوا مني."بره غرفة الإفاقة، كانت منى بتفكر في كلام الدكتور عن "الجسم الغريب" والشاش المنسي. الغضب جوه قلبها كان بيغلي زي المرجل. إزاي دكتور مستهتر يعمل عملية قيصرية ويخيط على شاش جوه بطن أم لسه مولدة تلات توائم؟ إزاي يسترخصوا أرواح الناس بالشكل ده؟بعد يومين، حنان خرجت من العناية وبقت في غرفة الاستشفاء العادية، والحالة الصحية بدأت تستقر تدريجياً تحت إشراف طاقم طبى جديد بتابع جرح العمليات وتطهيره أول بأول. في الوقت ده، عصام ومنى قرروا إن الوقت مش للبكاء والعتاب، الوقت للتحرك القانوني والسريع. عصام جاب المحامي بتاع ابن عمة صاحبهم، وقعدوا سوا في صالون المستشفى يكتبوا تفاصيل البلاغ. المحامي بص لهم وقال بجدية:— "تقرير المستشفى الحالي والتقرير الجراحي اللي بياكد وجود الشاش المنسي والالتهابات وتسمم الدم هم سلاحنا القوي. هنعمل محضر فوري في القسم، ونقدم شكوى رسمية لوزارة الصحة ونقابة الدكاترة ضد المستشفى القديم والدكتور اللي أجرى عملية القيصرية من شهرين."منى خبطت كف على كف وقالت بغضب حازم:— "اعمل الصح يا أستاذ.. دول كادوا يتموا تلات أطفال رضع في لحظة غفلة، ودكتور زي ده ماينفعش يسرح في المستشفيات يخلص على أرواح الناس التانية! "وفعلاً، اتحرك عصام والمحامي، واتعمل المحضر الرسمي، والنيابة العامة دخلت على الخط وطلبت استدعاء المستشفى القديم وملف الحالة والتحقيق مع الجراح اللي عمل العملية الأصلية. الخبر انتشر زي النــ,,ـــــار في الهشيم، وإدارة المستشفى القديمة حاولت بكل الطرق تضغط وتلم الموضوع وتساوم عصام بعروض مالية ضخمة عشان يتنازل عن المحضر ويسكتوا الألسنة. لكن منى لما سمعت بالموضوع، وقفت قدام عصام والمحامي وقالت بصوت عالي وصارم يملأه الشموخ:— "فلوس إيه اللي هيعرضوها؟! هو دم بنتي وحياة ولادها تتقدر بثمن؟ لو وافقنا على قرش واحد، هنبقى شركاء في جريمته وهنخليه يكررها مع بنات تانيين غلابة.. الشرف والمبدأ مفيش فيهم بيع وشرا! "عصام هز راسه بموافقة وقوة، وبص للمحامي وقال بحسم:— "سامع يا أستاذ؟ مفيش تصالح.. القضية مكملة للآخر، وعايز القانون ياخد مجراه وينزل أقسى عقوبة على الإهمال ده."الأيام عدت، والتحقيقات بدأت تكشف مفاجأة أكبر وأسوأ؛ اكتشفوا إن الدكتور صاحب المستشفى القديم كان مهمل في حالات تانية قبل كدة، وإن شكاوى كتير كانت بتطلع ضده بس كانت بتتململ في السر. الصحافة المحلية بدأت تلقي الضوء على القضية كنموذج صارخ للأخطاء الطبية في المستشفيات الخاصة. وفي وسط الزحمة دي، حنان كانت في البيت وسط عيالها التلاتة اللي ملوا الشقة دوشة وعياط، بس هالمرة كانت حــ,,ـــــضناهم بقوة وبتحميهم وعينيها مليانة دموع الفرح والامتنان لوالدتها ولجوزها اللي وقفوا جنبها زي الجبال. منى كانت قاعدة على الكرسي بتبص لبنتها وحفيدها وبتتنفس بعمق، وفجأة تليفونها رن برقم غريب. ردت بصوت جاد:— "ألو.. مين معايا؟"جاوبها صوت مرتبك ومتوتر من الناحية التانية:— "أنا… أنا فلان.. زميل الدكتور صاحب المشكلة.. وبنطلب جلسة ودية عشان نحل الموضوع قبل ما يوصل لجلسات المحاكمة وتسوء السمعة…"منى ضحكت بسخرية وقالت بصوتها القوي الحاسم:— "سمعة إيه اللي باقية؟ ! ابعدوا عن طريقي.. بنتي رجعت من المــ,,ـــــوت، ودروس العبرة دي مش هتتلم غير لما يشيلوا يافطة العيادة دي للأبد.. المحكمة هي الفيصل بينا، واقفل السكة وماتتصلش تاني!"قفلت منى السكة في وش المتصل، وبصت لحنان اللي كانت بتبتسم لها بحب كبير، وحست إنها أخيراً كسبت المعركة الأهم في حياتها وحفظت عيلة بنتها من الكارثة.