ابني اتصل بيا زهرة الربيع 4

المأذون بدأ يكتب الكتاب، وحازم بيمضي على قسيمة الطلاق. كل إمضاء كان بيحسس حازم إنه بيمحي سنين من التنازلات والضعف اللي عاشهم مع الست دي.
بعد ما خلصوا والمأذون قال: “بارتكما الله وعوضكما خيراً”، حازم وقف وبص لنهى وقال بصوت قوي لأول مرة من أيام: “مبروك عليكي العفش والفلوس يا نهى.. بس افتكري كويس، الفلوس دي فلوس أمي الشقايا، وإنتوا ختوها بالحرام واللوى.. والقرش الحرام بيعمي أصحابه.”
حماه وقف وزعق: “امشي يا شحات من هنا بدل ما نطلب لك الأمن!”
حازم سابهم وخرج، نزل على السلم وهو حاسس إن في حمل اتشال من على ضهره، رغم إنه بقى حرفياً مملكش قوت يومه. ركب الميكروباص ورجع على السيدة زينب.
وهو داخل الحارة، لقى راجل لابس بدلة أنيقة واقف قدام باب البيت القديم، ومعاه
بص حازم لورقة التنازل اللي حطها الأستاذ رفعت على الخشب الفاصل بينهم، وبص لسن القلم اللي في إيده. الحبر كان باين في الإضاءة الضعيفة بتاعة أوضة الزيارة كأنه حبل مشنقة مستني رقبته.
عقله كان شغال زي المكنة؛ لو مضى، هيطلع للدنيا من غير شقة، من غير عربية، من غير وظيفة، ومعاه مرتب محجوز عليه يعني حرفياً هيبقى “شحات” بيلف في الشوارع. ولو رفض، الباب الحديد ده هيتقفل عليه بسنوات سجــ,,ـــــن بتهمة التبديد، حماه ونهى هيشمتوا فيه، وهيضيع شبابه وراء القضبان.
“فاضل دقيقة يا حازم، وأنا وقتي انتهى.” صوت المحامي رفعت جه جاف ومستعجل وهو بيقفل سوستة شنطته الجلد.
حازم غمض عينه، وظهرت قدامه صورة أمه وهي قاعدة بالكروشيه في صالون المنيل الفاضي، وصوتها الهادي اللي يخوف وهي بتقول: “مش هعتب عندكم تاني يا بني”. حس ساعتها إن أمه مبقتش الست الطيبة الضعيفة اللي كانت بتطبطب؛ أمه جفت، والوجع حولها لصخرة هتهده لو ما انحناش للعاصفة.
بإيد بترتعش وأصابع مثلجة، حط حازم سن القلم على الورقة ومضى.. مضى على التنازل عن العربية، والتنازل عن نصيبه في بيت السيدة زينب القديم. مضى على شهادة وفاته الاجتماعية.
الأستاذ رفعت سحب الورق بسرعة، وبص في الإمضاء والتأمين، وبعدين طبّق الورق وحطه في الشنطة. وبنفس النبرة الرسمية قال: “تمام يا حازم. الكفالة وفلوس القايمة هتتدفع في خزنة المحكمة خلال ساعة، وأمر إخلاء السبيل هيطلع على آخر النهار. مبروك عليك حريتك.. وعلى الله تكون اتعلمت الدرس.”





