ابني اتصل بيا زهرة الربيع 4

>
قبــ,,ـــــض حازم على المفتاح الصغير في كفه حتى كادت حوافه الحادة تجرح جلده، ونظر إلى الورقة للمرة الأخيرة قبل أن يطويها بقلب يعتصره الندم. خطوتان إلى الوراء، ثم التفت وغادر حي المنيل، يجر أذيال خيبته نحو السيدة زينب، متوجهاً إلى ذلك السطوح الذي طالما استصغره.
دخل البيت القديم، وصعد درجات السلم المتهالكة في عتمة الليل حتى وصل إلى السطح. فتح باب الغرفة الصغيرة الخشبية، فاستقبلته ريحة الهجر، وبقايا أقفاص الطيور القديمة، وحصيرة ممزقة في الركن. رمى جسده المنهك على الأرض، واستند برأسه إلى الجدار المقشر، وفي تلك اللحظة بالذات، تفجرت دموعه بحــ,,ـــــرقة لم يعرفها من قبل. تذكر سخرية زوجته من ريحة “الزفر والتقلية”، وتذكر كيف كان يداري خجله من أمه أمامها، والآن، ها هو ينام في نفس البقعة التي كانت أمه تقضي فيها الساعات تحت أشعة الشمس الحارقة لتُطعمه وتكبره.
مرت الأيام ثقيلة كالجبال، وحازم لا يقتات إلا على ك.سرات الخبز والماء، حتى جاء صباح يوم السبت.. يوم الجلسة الحاسمة في محكمة أسرة مصر القديمة.
دخل حازم قاعة المحكمة بجسد هطيل، ووجه شاحب، وملابس هي كل ما يملك. في الممر، لقى نهى واقفة بكامل أناقتها وزينتها وبجوارها أبوها الذي يوزع الابتسامات، ومحاميهم يحمل دوسيه القضايا بنبرة ثقة. نهى نظرت إليه بقرف واستهزاء، وهلّت لأبيها: “شايف شكله بقى عامل إيزاي؟ شحات!”.
نادى حاجب المحكمة: “رقم 14.. قضية طلاق للضرر ونفقة، وبطلان عقد، المرفوعة من نهى جلال ضد حازم عبد الحميد!”.
دخل الجميع ووقفوا أمام منصة القاضي. تقدم محامي نهى بثقة وصوت جهوري: “سيادة القاضي، موكلتي تطلب الطلاق للضرر الشديد، والتعويض، ونفقة متعة وعدة، وتثبيت قايمة المنقولات؛ حيث تبين أن الزوج غشها واشترى شقة مثقلة بالديون والرهن العقاري، وتم طردها منها وتشريدها، فضلاً عن تبديده للعفش وحجز البنوك على أرطاله ورصيده”.
القاضي نظر في الأوراق، ثم وجه نظره لحازم: “ما ردك يا أستاذ حازم؟”.
حازم وقف منكس الرأس، ولم ينطق بكلمة، فما عاد لديه ما يدافع به عن نفسه.
وفي هذه اللحظة، انفتح باب القاعة بهدوء، ودخل الأستاذ رفعت، محامي الحاجة عايدة، وبجواره سيدة تتشح بالسواد، تضع عباءتها على رأسها بوقار شديد.. كانت الحاجة عايدة.




