ابني اتصل بيا زهرة الربيع 4

خرجت نهى وأبوها من القاعة يجرون أذيال الخزي والعار، والشرطة تلاحقهم لإنهاء إجراءات الإحالة، دون أن ينالوا ملوماً واحداً من شقا حازم أو أموال أمه.

في الممر الخارجي للمحكمة، وقف حازم أمام أمه. انهار على ركبتيه وبدأ يقبل حذاءها ويبكي بصوت مسموع هز جدران المكان: “سامحيني يا أمي.. سامحيني أنا اتك.سرت، أنا جزمتك فوق راسي، أرجوكي ما تسيبينيش في الشارع!”.

الحاجة عايدة نظرت إليه، ولم تمد يدها لتربّت عليه كما كانت تفعل دائماً، بل بقيت واقفة كالجبل المتين. نظرت إليه بعينين تملؤهما الدموع والصلابة معاً، وقالت بصوت هادئ ومؤثر:

“أنا سامحتك يا حازم بيني وبين ربنا.. عشان ما تلمسكش نــ,,ـــــار جهنم بسبب عقوقي. بس الوجع اللي في قلبي مبيتمحيش بجلسة محكمة ولا بدموع ندم. أنت انك.سرت عشان الدنيا لطشتك وعرتك، مش عشان عرفت قيمتي من الأول. الفلوس والشقة والعربية بح خلاص.. راحوا للي يستحقوهم. المفتاح اللي معاك هو سترك الوحيد دلوقتي. انزل اشتغل أي شغلانة، شيل طوب، اكنس شوارع، ابدأ من الصفر بمرتبك اللي هيفك الحجز عنه بكرا.. اتعلم إزاي تبني راجل من غير فيزا كارد أمه.. ولما تحس إنك بقيت بني آدم بجد يعرف يعني إيه كلمة (أُم).. ابقى تعالى دور عليا في مدافن أبوك بالصعيد.. يمكن تلاقيني هناك بقرا له الفاتحة وبقوله إن ابننا اتعلم الدرس.. مع السلامة يا بني”.

التفتت الحاجة عايدة ومشيت بخطوات ثابتة ووقورة، تاركة حازم وراءها. لم تلتفت خلفها ولو لمرة واحدة. مسح حازم دموعه، ووقف على قدميه، وبص للمفتاح الصغير في إيده. لأول مرة يحس بمسؤولية حقيقية، أدرك إن سياط التربية كانت قاسية، لكنها كانت طوق النجاة الوحيد لإنقاذ ما تبقى من رجولته.

### الحكمة من القصة:

* **بر الوالدين ليس فضلاً بل دين:** الأم والأب هما السند الحقيقي والدائم في الدنيا. صلة الدم والبر ليست صنبوراً نفتح نبرته وقت الحاجة والمصلحة ونغلقه لإرضاء نزوات الآخرين؛ فدعوة واحدة من قلب أم مجروحة كفيلة بهدّ عروش وقصور بُنيت في سنوات.

* **البيوت تُبنى على الأصل لا المظاهر:** الزوجة أو الشريك الذي يدفعك للتخلي عن أهلك وأصلك من أجل راحتها ومظهرها، هي أول من سيتخلى عنك عند أول قطرة غيث وجفاف في جيبك. من لا خير فيه لأمه، لا خير فيه لأي أحد.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *