جوزي استبعدني 2

مع ساعات الفجر الأولى، وبشهادة عمي حسين الرسمية التي أقرّ فيها بأن أصل أموال الشركة يعود لورث العائلة، صدر قرار النيابة: الإفراج عني بكفالة مالية مالية على ذمة التحقيقات، وتحويل القضية بالكامل إلى النيابة المالية لمواجهة هشام ورانيا بالتهم المباشرة.
خرجت من مبنى قصر النيل، وكانت الشمس تشرق على شوارع القاهرة الصامتة. لأول مرة منذ سنوات طويلة، شعرت أن الهواء يدخل رئتي نقيًا وخاليًا من الخوف أو الدونية.
خارج المبنى، كان عمي حسين، وحماتي حنان، وسارة أخته، ومعهم يوسف وسلمى بانتظاري. سلمى جرت ونطت في حضني، بينما يوسف ابتسم ابتسامة بالغة ونظر إليّ بفخر جعلني أدرك أنني نجحت في الدرس الأكثر أهمية في حياتي: أن أعلّم ولادي ألا يقبلوا بالاستبعاد أو الظلم مهما كان مصدره.
حماتي حنان قربت مني والدموع تغرق وجهها، وحضنتني بقوة وهي تردد: “سامحينا يا شيرين.. سامحينا إننا صدقنا الأوهام، واستسلمنا للغربة اللي فرضها علينا.”
رددت عليها بهدوء وكرامة: “المهم إن الحقيقة ظهرت يا طنط.. والعلاقة بين الولاد وبينكم أصلًا مكنتش محتاجة إذن من هشام عشان تتصلح.”
بعد أسبوعين كاملين، استرد هشام وعيه في المستشفى، ليجد نفسه وحيدًا مجردًا من كل ما بناه بالكذب.
رانيا تخلت عنه فور إصدار النيابة قرارًا بتجميد أصول الشركة، وقدمت أوراق العقود الرسمية للمحكمة في محاولة للنجاة بنفسها، لتبدأ بينهما حرب قضايا طاحنة أكلت الأخضر واليابس. أهله يرفضون رؤيته أو زيارته، والشركة التي بنى ملكها على السرقة والتضليل أُغلقت بالشمع الأحمر.
أما أنا، فلم أتردد لحظة واحدة. رفعت دعوى طلاق للضرر مع الاحتفاظ بكامل حقوق ولادي والتمكين من مسكن الحضانة، واسترجعت استقلالي المادي والأنثوي والنفسي.
بعد ستة أشهر، وفي أول أيام صيف جديد…
كنت أقف على شاطئ البحر في بورسعيد، تحت الشمس المشرقة. يوسف كان يجري ويلعب كورة مع أعمامه وأولاد عمومته، وصوت ضحكاتهم يصل إلى آخر الشاطئ.
سلمى كانت تجلس على الرمل بجانبي، ولابسة مايوه أزرق جميل، ومسكت جاروفها البلاستيك الصغير البمبي، ورفعت رأسها لي وهي تبتسم من أذن لأذن: “ماما! الجاروف طلع بيعمل بيوت رمل حلوة أوي في البحر الحقيقي!”
ابتسمت، ونزلت لمستواها، ومسكت يدها الصغيرة وقبلتها.




