في فرح أخويا حكايات زهرة الربيع 2

خرجت من العمارة أجر قدميّ أجراراً، الشارع في منتصف الليل كان خالياً إلا من صرير الرياح وضياء مصابيح الرصيف الضعيفة. كنت أمشي ولا أعرف إلى أين أذهب. لم أكن أريد العودة إلى بيت أبي؛ لأنني أعلم أن عودتي في هذا الوقت ستفجر قنبلة موقوتة، وفي الوقت نفسه، لم أعد أملك بيتاً آوي إليه. سرت في الشوارع القريبة ، أكلم نفسي، أسترجع كل كلمة قيلت في القاعة، كل نظرة غضب من هاشم، وكل يمين حلفه أبي. كيف تحولت حياتي في ساعات معدودة من زغاريد وفرحة بأخي الوحيد، إلى خراب شامل، وطلاق بالثلاثة، وحرمان من طفلي الوحيد؟

عندما بلغت الشارع الرئيسي، أخرجت هاتفي ببدن ، ورأيت عشرات الاتصالات المفقودة من أمي ومن أخي محمد. اتصلت بأخي، وما إن أجاب حتى في البكاء: “محمد… تعال خذني يا محمد.. أنا في الشارع مش قادرة أمشي.”

خلال دقائق، كان محمد قد وصل بسيارته. عندما رآني أقف على قارعة الطريق، وشعري ثائر، وعباءتي بالتراب من سقطتي على السلم، قفز من السيارة “سارة! إيه اللي عمل فيكي كده؟ أنتِ كنتِ فين يا حبيبتي؟”

اشتعلت عينا محمد بالغضب بيده على سقف السيارة بقوة: “! والله العظيم ما هسيبهم! والله لأهد البيت على وأجيبلك سليم بالدراع!”

“لا يا محمد!” مسكت بيده بكل قوتي وأنا أترجاه: “عشان ربنا لا! مش عايزة ولا مشاكل ثاني! أنا عايزة ابني بالقانون، أبويا المحامي قال هنعمل أوراق، أرجوك يا محمد خذني البيت ومن بكرة الصبح نمشي في القانون.”

عدنا إلى البيت. كان أبي يقف في صالة ، يذرع الأرض جيئة وذهاباً، وجهه . بمجرد أن دخلت ورآني بهذا المنظر، وعلم أين كنت، ساد صمت رهيب في البيت. لم كلمتي يا سارة؟ بتخرجي من بيتي صغار وتترجي اللي رماكي وطعن شرفنا في القاعة؟”

سقطت تحت قدميه وأنا أبكي: “يا بابا أنا أم! أم وقلبي بيتحرق على ابني! سليم كان بيعيط جوة ويثور باسمي، كنت عايزة أسمع صوته بس!”

في صباح اليوم التالي، بدأت رحلة العذاب الحقيقية.. رحلة “أروقة المحاكم”.

توجّهنا في الصباح الباكر إلى مجمع المحاكم بالعباسية. كان المكان يضج بالبشر، بالآلاف من النساء والرجال الذين تتصارع أرواحهم على جدران الصمت والأوراق الرسمية. رائحة الأوراق القديمة، الأطفال في الطرقات، وأصوات المحامين وهم ينادون على القضايا.. كان هذا هو العالم الجديد الذي قُدّر عليّ أن أعيش فيه.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *