في فرح أخويا حكايات زهرة الربيع 2

خرج أبي من القسم وهو يترجل بصعوبة، جسده تعب ووجهه شاحب . لم يتكلم كلمة واحدة في طريق العودة. كان صمته أشد إيلاماً من أي غضب.

عندما وصلنا إلى البيت، دخل أبي إلى غرفته وأغلق الباب على نفسه. وبعد ساعات، خرج وهو يحمل في يده مكبر صوت صغيراً ومجموعة من الأوراق.

جلس على الكنبة، وطلب مني ومن أمي ومحمد أن نجلس أمامه.

نظر إليّ أبي بعينين ملئهما حزن عميق لم أره فيه طوال حياتي، وقال بصوت خفيض ومكسور: “يا سارة… أنا حاربت عشان كرامتك وكرامة عيلتنا.. حاربت لحد ما رجلي دخلت القسم، وسمعتي اتعفرت في الشوارع. هاشم بايع ، ومستعد يهد الدنيا فوق دماغنا ودماغ ابنه عشان ينفذ كلامه.”

ثم صمت قليلاً، والتفت ينظر في عيني قائلًا:

“النهاردة، المحكمة حددت جلسة النطق بالحكم النهائي في الطلاق والتمكين للأسبوع الجاي… الحكم ده إما هي رجعلك ابنك وبيتك ويثبت حقك، إما هيفجر حرب ثانية مش هنعرف نطلع منها سالمين. هاشم بيهدد إنه بيهرب بالولد برة البلد لو الحكم طلع لصالحك، وأنا مش هسمح بكسرة عين ثانية!”

وقف أبي، ورفع يده وشد على قبضته وقال بنبرة ملؤها التحدي الأخير:

“الجلسة الجاية يا سارة… هي جلسة الفصل. يا إما تطلعي منها منتصرة ورأسك في السماء وابنك في حضنك، يا إما الكابوس ده هيبتلعنا كلنا ومحدش فينا هيقوم له قائمة ثاني!”

تسمرت في مكاني، وشعرت برعب يسرق أنفاسي… الأسبوع القادم، قاعة المحكمة ستشهد الجلسة الحاسمة والأخيرة، الجلسة التي ستقرر مصير أمومتي، ومصير ابني سليم، ومصير العائلة بأكملها… فهل سينتصر العدل وحق الأم، أم أن قسوة هاشم وانتقامه سيكتبان نهاية أبدية لحياتنا؟

مرّ الأسبوع الفاصل وكأنه دهور من الانتظار القاتل. لم تذق عيني النوم، ولا عرف لساني طعماً أو الراحة. كان بيتنا في حالة استنفار تام؛ أبي ساعات الليل يتضرع إلى الله ويرتشف دواسه، ومحمد أخي يزرع الصالة جيئة وذهاباً بخطوات متوترة، وأنا قابعة في الزاوية، أحمل بين يدي لعبة صغيرة لسليم وأستحضر صوت صراخه وهو يستغيث بي في مركز الشباب وفي قسم الشرطة.

جاء يوم الجلسة الحاسمة. أشرقت الشمس بضياء باهت يلف القاهرة، وكأن السماء تشاركنا ثقل هذا اليوم. ارتديت عباءتي السوداء، وركبت السيارة مع أبي ومحمد والأستاذ فاروق المحامي. كان الطريق إلى مجمع المحاكم هادئاً بشكل ، لم ينطق أحد منا بكلمة واحدة، فالقلوب بلغت الحلاقيم، والأرواح معلقة بحكم سيصدر بعد ساعات.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *