في فرح أخويا حكايات زهرة الربيع 2

دخلنا مكتب الأستاذ فاروق، المحامي الشهير الذي كلفه أبي بمتابعة . كان رجلاً خمسينياً، النظرات، يرتدي نظارة طبية سميكة، ويمسك بيده ملفاً أصفر ضخماً كُتب عليه بخط عريض: (سارة عبد الجواد ضد هاشم الفولي).

قال المحامي وهو يفرز الأوراق أمامنا: “يا مدام سارة، الوضع دلوقتي بقى شوارع قانونية. جوزك رفع حضانة، واتهمك فيها بالإهمال والتفريط في سلامة الطفل، وجايب شهادة طبية مزورة بإن الولد جايلو الالتواء في الرقبة بسبب الإهمال في الفرح. غير إنه قدم إنذار طاعة، وبيطالب برجعوتك للبيت، وطبعاً ده تناقض صريح مع اليمين اللي حلفه بطلاقتك بالثلاثة!”
سألته بصوت خافت: “يعني إيه يا متر؟ هيقدر ياخد سليم مني بجد؟”

كنت أستمع إلى هذه المصطلحات الجافة، ودموعي تتساقط على مكتبه. كل مصطلح قانوني كان بالنسبة لي خنجراً يغرس في أوهام الحياة الزوجية التي عشتها. كيف تحول الحب، والكلمات الطيبة، والذكريات الجميلة إلى “نفقة بنوعيها” و”بدل فرش وغطاء”؟

مرت الأسابيع الأولى كأنها دهور. صدر قرار نيابة الأسرة بإحالة طلب الرؤية إلى التنفيذ المستعجل. تم تحديد يوم الجمعة من كل أسبوع، لمدة ثلاث ساعات فقط، في “مركز شباب المنطقة”، لتكون هي النافذة الوحيدة التي أستطيع من خلالها رؤية ابني !

أول يوم رؤية كان يوم جمعة لا يمكن أن أنساه. أشرقت الشمس، وكنت صاحية منذ الفجر. أعددت ألعاباً جديدة لسليم، واشتريت له الشوكولاتة والعصائر التي يحبها، وارتديت أفضل ما لدي. ذهبت إلى مركز الشباب قبل موعد الرؤية بساعة كاملة. قعدت على كرسي بلاستيكي في الملعب الخماسي، وأنا أترقب البوابة بقلب ينبض بسرعة جنونية.

عند الساعة الثانية ظهراً، دخل هاشم من البوابة… كان يمسك بيد سليم.

عندما رأيت سليم، كادت روحي تطير من جسدي! قفزت من مقعدي وركضت نحوه وأنا أصرخ: “سليم! يا قلب ماما!”

الولد مجرد ما شافني، نفض يده من يد أبيه وركض نحوي بأقصى سرعة، وألقى بنفسه في أحضاني! التفت يداه الصغيرتان حول عنقي بقوة جعلتني أسقط على ركبتي فوق أرضية الملعب. أخذ يبلل وجهي بدموعه ويقول بصوت متقطع: “ماما! أنتِ مشيتِ وسبتيني ليه؟ تايتا بتقولي ماما مش بتحبك وراحت ومش هترجع ثاني! تعالي معايا البيت يا ماما!”

كنت أعتصره في صدري، أشم رائحته، أقبل يديه الصغيرتين وجبهته، والدموع تنهمر من عيني كالمطر: “لا يا حبيبي! ماما بتحبك أكتر من روحها! ماما عمرها ما هتسيبك يا سليم، هم اللي أخذوك مني يا قلب ماما!”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *