في فرح أخويا حكايات زهرة الربيع 2

على بعد خطوات، كان هاشم يقف طويلاً، واضعاً يديه في جيبي بنطاله، ينظر إلينا بعينين خاليتين من أي رحمة. عندما رآني أضم الولد وأبكي، تقدم بخطوات بطيئة وقال بصوت جاف وساخر: “وفري التمثيل ده للمحكمة يا سارة.. الساعتين بتوعك هيعدوا بسرعة، والولد هيرجع معايا لبيته الصدق، مش لبيت أبوكي اللي خرب حياتنا.”
رفعت رأسي ونظرت إليه بغضب لم أعهده في نفسي من قبل، وقفت وأنا أتمسك بسليم خلف ظهري وقلت له بصوت مرتعش لكنه مليء بالتحدي: “أنت إيه؟ أنت معندكش قلب؟ معندكش دين؟ بتبعد عيل عن أمه عشان كبرياءك المزيف؟ عشان خناقة في فرح؟ ده أنت حلف بالطلاق قدام العالم كله ورعيت بيتك بإيدك، وجاي دلوقتي تحاربني في ابني؟”
اقترب هاشم مني خطوة، وانخفض صوته ليكون كالموسى: “أنا ما خربتش بيتي يا سارة.. أنتِ اللي اخترتِ أبوكِ وأخوكِ ورفضتِ تطيعي زوجك في لحظة كرامة. أنتِ اللي فضلتِ الزيطة والأغاني على بيتك. واللي تبيع جوزها في ثانية عشان كلمتين، ما تستاهلش تكون أم لابني!”
“أنت كذاب!” صرخت في وجهه والناس في مركز الشباب يلتفتون إلينا: “أنا اترجيتك! أنا مسكت في إيدك وبكيت قدام الناس كلها وقلتلك بلاش! أنت اللي عينيك كان فيها العمش من الغضب والشيطان كرك! أنت وأمك اللي استغليتوا الموقف عشان تنتقموا مني ومن عيلتي!”
تدخل موظف مركز الشباب والمحضر المتابع للرؤية وفضّا النزاع بيننا. مرت الساعتان كأنهما دقيقتان فقط. كان سليم يجلس في أحضاني، يأكل الحلوى بلهفة، وأنا أحكي له قصصاً وأمسح على رأسه، وأحاول أن أختزن رائحته وملامحه في ذاكرتي لتكفيني طوال الأسبوع القادم.
وعندما حانت الساعة الرابعة، أعلن الموظف انتهاء وقت الرؤية.
بدأ سليم بالصراخ والتوسل وهو يتمسك بملابسي: “لا يا ماما! مش عايز أمشي مع بابا! عايز أروح معاكي بيت تايتا!”
جاء هاشم وسحب الولد بتمرد وقسوة من بين يديّ. كان سليم يتلوى بين يديه ويصرخ، وأنا أقف مكتوفة الأيدي بالقانون! نعم، القانون كان يمنعني من أخذ ابني معي بعد انتهاء الساعتين! كانت هذه أقصى درجات العذاب النفسي؛ أن ترى ابنك يستغيث بك، والقانون يجبرك على ترك يديه ليرحل مع من حرمك منه!
خرجت من مركز الشباب وجسدي خاوي من الروح. عدت إلى البيت لأجد أبي بانتظاري، يسألني عن تفاصيل الرؤية، وعما إذا كان هاشم قد حاول مضايقتي. كنت أجيب بأجوبة مختصرة، وأدخل غرفتي لأغلق على نفسي الباب وأنفجر في البكاء.





