في فرح أخويا حكايات زهرة الربيع 2

أما أبي، فقد وقف شامخاً، ونظرت إليه لأجد دمعة شريفة واحدة انحدرت على خده، أسرع ومسحها بيده، ثم انحنى وقبّل رأسي وقال بصوت يرتجف من التأثر: “رفعِتِ رأسي يا بنتي.. وما كسرناش كلمتنا ولا سلّمنا في حقك.”

على الجانب الآخر، تجمد هاشم في مكانه كأنه صنم من حجر! كانت أمه تصرخ وتلطم خدودها، ومحاميه يضرب كفاً بكف ويقول له: “قلتلك الموضوع قفش.. الحكم الجبري نافذ من بكرة!”

اقترب هاشم مني بخطوات ثقيلة، كانت عيناه مليئتين بالهزيمة والمرارة، ولأول مرة أرى في عينيه كسرة الكبرياء التي حاكمني بها طوال أشهر. قال بصوت خافت ومكسور: “كده يا سارة؟ بعتِ كل حاجة ودمرتِ بيتنا للمحاكم؟”

نظرت في عينيه بثبات لم أعهده في نفسي قط، وقلت له بنبرة هادئة وقوية:

“أنا ما دمرتش بيتي يا هاشم.. أنت اللي بعته عشان يمين غضب وعناد أرعن في فرح أخويا. أنت اللي اخترت تهد حيتنا وتجرجرنا في المحاكم وتستغل ابني. بالقانون أخذت حقي، وبإنسانيتي مش هحرمك من رؤية ابنك زي ما حرمتني.. بس من النهاردة، أنت بالنسبة لي صفحة وانطوت للأبد.”

كنت أقف في سيارة أخي بأسفل العمارة، وقلبي يخفق بأعلى سرعة. وبعد دقائق معدودة، رأيت باب العمارة يفتح.. وخرج منه المحضر يمسك بيد سليم!
مجرد ما لمحت عين السليم السيارة ورآني أطل من النافذة، نفض يده وركض ونادى بأعلى صوته: “ماماااا!”

فتحت باب السيارة وألقيت بنفسي على الرصيف، وارتمى سليم في حضني! طوقني بذراعيه الصغيرين بكل قوته، وأخذ يسبح في أحضاني ويبكي وأنا أقبّل وجهه وجبهته ويديه، أشم رائحته التي حرمت منها : “خلاص يا حبيبي.. خلاص يا قلب ماما.. مش هتروح في أي حتة ثاني، ماما معاك ومش هتسيبك طول العمر!”
نظر إليّ بابتسامته البريئة وقال وهو يمسح دموعي بكفه الصغير: “ماما.. إحنا رايحين بيت تايتا؟”

قلت له وأنا أبتسم من بين الدموع: “رايحين بيتنا يا سليم.. رايحين نبتدئ حياة جديدة، حياة مفيهاش خوف ولا ظلم.”

استلمت بالتمكين، وحصلت على كل حقوقي القانونية. هاشم حاول لمرات متعددة بعدها عن طريق واسطات وأقارب أن يفتح باباً للصلح أو العودة، بل وأرسل رسائل يرجوني فيها أن أسامحه وأن يعيد بناء ما تدمر، لكن قلبي كان قد مات ناحيته تماماً؛ فالرجل الذي يساوم امرأة بابنها في لحظة غضب، لا يُؤمن على بيت ولا على مستقبل.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *